أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
والله سبحانه حافظٌ لأوامرِ رسولِه ﷺ، فلا يَقَع شيءٌ منها غَلَطًا، فإنَّه مَحفوظٌ مَعصوم؛ فإذا أَمَرَ بشيءٍ على قضيَّةٍ تَستدعي ذلك الأمرَ بموجِبِ الحقِّ، وإن كان في باطنِ تلك القضيَّة ما لو عَلِم به رسول الله ﷺ لغَيَّر ذلك الأمر: جَعَل الله ﷿ الأقدارَ حائلةً دون إنفاذِ ذلك المقَدَّم، حتَّى تُكشَف له ﷺ عن عواقبِ الأمورِ (^١)؛ وهذا عينُ ما جَرى في هذه القَضيَّة!
وذلك: أنَّه لمَّا نَظرَ عليٌّ ﵁ في حالِ ذلك الإنسانِ، وَجَدَه مَجبوبًا، «وأظهرَ الله مِن حالِ المَرْميِّ أنَّه حَصور، كلُّ ذلك مُبالغةً في صِيانةِ حَرَمِ رسولِ الله ﷺ، وإظهارًا لتكذيبِ مَن تَفَوَّهَ بشيءٍ مِن ذلك» (^٢)؛ ولعلَّه لو رآه وعليه ثيابَه، وصَدَر منه ما يُضفي علىه لِباسَ التُّهمة: لم يَبِنْ لعَليٍّ ﵁ أنَّه مَجبوبٌ إلَّا بعد قتلِه.
فحفِظَ الله بهذا ذِمَّة رسوله ﷺ مِن أن يجري فيها غَلَط يُشبه الغَدر، كما حفِظَها مِن أن يَجري فيها حقيقةُ الغَدر (^٣).
هذا؛ ومِمَّا يَكشِفُ غِشاوةَ الإشكالِ عن فهم هذا الحديثِ:
ما جاء في روايةٍ أخرى للحديثِ بَسيطة، بمَساقٍ أكملَ وأوضح لتصوُّرِ الحادثة مِن هذا اللَّفظ المختصرِ في «صحيح مسلم»، يقول فيها علي ﵁:
«كَثُر على مارية أمِّ إبراهيم ابنِ النَّبي ﷺ في قِبطيٍّ ابنِ عمٍّ لها، كان يزورها، ويختلِفُ إليها، فقال رسول الله ﷺ لي: «خُذْ هذا السَّيف، فانطلِقْ إليه، فإن وَجَدتَّه عندها فاقتُله»، فقلتُ: يا رسول الله، أكون في أمرِك إذْ أرسلْتَني كالسِّكَة المُحماة لا يُثنِيني شيء، حتَّى أمضي لمِا أرسلتني به؟ أو الشَّاهدُ يَرَى ما لا يَرى الغائبُ؟ قال: «بل الشَّاهدُ يَرى ما لا يَرى الغائب!».
يقول عليٌّ ﵁: فأقبلتُ مُتوشِّحًا السَّيف، فوجدتُه عندها، فاخترَطتُ السَّيفَ، فلمَّا أقبلتُ نحوَه، عَرَف أنِّي أريده، فأتى نخلةً فَرَقَى فيها، ثمَّ رَمَى
_________
(^١) «الإفصاح» لابن هبيرة (٥/ ٣٨٦).
(^٢) «المفهم» (١٦/ ٦٣).
(^٣) «الإفصاح» لابن هبيرة (٥/ ٣٨٦).
1323
المجلد
العرض
66%
الصفحة
1323
(تسللي: 1227)