أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
الدلالة عند التَّرجيح بينهما؛ فهذا الحديث خبر آحاد، ومثله حديث أبي هريرة عند مسلم: «استأذنت ربِّي أنْ أزور أمِّي فأذِن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي»، ولكن أخبار الآحاد ظنيَّة المتن، فلا يُردُّ بها نصٌّ قرآنيُّ قطعيُّ المتن، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾؛ أي: ولا مُثيبين.
وهذا النصُّ قطعيُّ الدَّلالة، لا يحتمل غير ما يدلُّ عليه لفظهُ بالمطابقة، بخلاف حديث: «إنَّ أبي وأباك في النَّار»؛ فإنَّه ظنيُّ الدَّلالة؛ يحتمل أنَّه يَعني بقوله: «إنَّ أبي» عمَّهُ أبا طالب؛ لأنَّ العرب تسمي العَمَّ: أبًا، وجاء بذلك الاستعمالِ كتابُ الله العزيز .. والتَّحقيق في أَبَوي رسول اللَّه ﷺ أنَّهما مِن أهلِ الفترةِ ..» (^١).
ثمَّ شرع في نفيِ عذابِ أهل الفترة بإطلاق، وسيأتي تفصيلُه.
فأمَّا (محمَّد الغزالي)؛ فكان الأجرأَ على الحَطِّ من الحديث، فعابَ -كعادته- على مَن تواردوا على قَبولِه قلَّةَ فقههِم في الدِّين! بل سوءَ أدَبِهم مع المقَام النَّبويِّ!
فتراه يقول: «قد سمعتُ بأُذني مَن يقول: الحديث صحيح، وهو يخصِّص عموم الآية، فأهل الفترة ناجون جميعًا -عَدَا عبد الله بن عبد المطلب .. ! - قلتُ له: ماذا فَعلَ حتَّى يستحقَّ وحده النَّار؟ كان عبد الله شابًا شريفًا عفيفًا حكى عنه التَّاريخ ما يَزينه! ولم يحك عنه ما يَشينه! والآية خَبر لا يتحمَّل استثناءً» (^٢).
وقال: «رأيتُ نَفرًا مِن هؤلاء يَغشون المجامعَ مُذكِّرين بحديثِ أنَّ أبا الرَّسول ﷺ في النَّار! وشعرتُ بالاشمئزاز مِن استطالتِهم وسوءِ خُلقهم!
قالوا لي: كأنَّك تعترض ما نقول؟ قلت ساخرًا: هناك حديث آخر يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فاختاروا أَحَد الَحديثين .. قال أذكاهم بعد هنيَّة: هذه آية لاحديث! قلتُ: نَعم جعلتُها حديثًا لتهتمُّوا بها، فأنتم قلَّما تفقهون
_________
(^١) «مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي» لأحمد المحضري (ص/٤١).
(^٢) «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث» (ص/١٤٥).
1339
المجلد
العرض
67%
الصفحة
1339
(تسللي: 1240)