أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
القيدِ ترْجَمَ البخاريُّ للحديث بترجمةٍ دقيقة قال فيها: «ما يجوز أن يَخلُوَ الرَّجل بالمرأةِ عند النَّاس»؛ وهذا قد تَعَامَى عنه المُعترض في تشنيعِه على البخاريِّ!
ثمَّ إنَّ تلك الأنصاريَّةُ لم تكُن بمُفردِها وقتَ كلامِها للنَّبي ﷺ، بل كانت برُفقةِ أولادِها، وهذا ما جاء صريحًا في روايةٍ للبخاريِّ يذكرُ فيها أنس ﵁ أنَّها «أتَتْ النَّبيَّ ﷺ مَعَها أولادٌ لها» وذَكَر الحديث (^١).
وأمَّا ما استَشْنَعه المُعتَرِض مِن قولهِ ﷺ: «إنَّكُنَّ لأَحَبُّ النَّاس إليَّ»:
فهو هنا جاء بنونِ النِّسوةِ، وقد انفرَدَت به رواياتُ «الجامع الصَّحيح» دونِ باقي الصِّحاحِ الأخرى، والَّتي أثبتَتْه بلفظِ: «إنَّكم» للجمع المُذكَّر؛ إلَّا ما في روايةِ أبي ذرِّ الهَرويِّ لصحيح البخاريِّ، فهي فيه أيضًا بمِيمِ المُذَكَّر كالجماعةِ (^٢)؛ وهذه الَّتي نراها مُوافقةً لرواياتِ الحديثِ عند أكثرِ المُصَنِّفين، بل وللمَوضعِ الآخر للحديثِ في كتابِ البخاريِّ نفسِه (^٣).
فعلى هذا اللَّفظ «إنَّكم»: يكون المَعنِيُّ بالحُبِّ النَّبويِّ في حديثِه للمرأةِ الأنصاريَّة عمومَ الأنصارِ، والتَّذكيرُ فيه مِن بابِ «تغليبِ الرِّجال على النِّساء» (^٤)، وعلى هذا المعنى دَرَج أئمَّة التَّدوينِ في ترجمتِهم للحديث، وجعلهم إيَّاه تحت الأبوابِ المَعْنيَّة بفضائلِ الأنصارِ (^٥).
وأمَّا على روايةِ: «إنَّكنَّ» بنون النِّسوة: فمَعَ ما ذكرته من انفراد رُواة صحيح البخاريِّ بهذا اللَّفظ، ومُخالفةِ الهَرويِّ لهم فيه وهو مِن أتقَنِ رُوَاتِه -فإنَّه
_________
(^١) أخرجه البخاري في (ك: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ، رقم: ٦٦٤٥)، وفي رواية أخرى عنده (ك: مناقب الأنصار، باب: قول النبي ﷺ للأنصار: أنتم أحب الناس إلي، رقم:٣٧٨٦): «ومعها صبيٌّ لها».
(^٢) انظر «إرشاد السَّاري» للقسطلاني (٨/ ١١٦).
(^٣) في (ك: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ، رقم: ٦٦٤٥) وهو بلفظ: «إنَّكم لأحبُّ النَّاس إليَّ» قالها ثلاث مرار.
(^٤) «الكوثر الجاري» للكوراني (٨/ ٥٣٦).
(^٥) كأحمد حيث أدرجه في باب «فضائل الأنصار» من كتابه «فضائل الصحابة»، ومعمر بن راشد في باب «فضائل الأنصار» من جامعه، ومسلم في «كتاب الفضائل» من «صحيحه».
1365
المجلد
العرض
68%
الصفحة
1365
(تسللي: 1264)