أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
والَّذي يعضدُ القولَ بهذه النُّدرة من فعله ﷺ:
ما صَحَّ على لسانِ أنس ﵁ نفسِه من تقييدِ ذلك بيومٍ واحد، حيث روى: «أنَّ رسول الله ﷺ طافَ ذاتَ يومٍ على نسائِه في غسلٍ واحدٍ» (^١)؛ وهذا مُشعِر بأنَّ خَبَره الأوَّل بلفظِ: «كان النَّبي ﷺ يدور على نسائِه ..»: لم يُرِد به معنى الاستمرار، فإنَّ صيغةَ (كان يفعل) يجوز أن تُستعمَل لإفادةِ مُجرَّد وقوعِ الفعل، وتأكيد مشروعيَّته، وهذا صادق بالمرَّة الواحدة، دون أن يدُلَّ على التَّكرار.
ولَإِنْ كانت إفادةُ التَّكرار والاستمرار هي الأكثر في الاستعمال (^٢)، فقد جاء ما يَصرف هذه الصِّيغةَ عن هذه الدَّلالة، ويُثبِتُ له معنى الوقوع المجرَّد.
فليس إذن في حديث أنس ﵁ ما يُفيد كونَ طوافِه ﷺ بنسائِه عادةً مستمرَّة له، كما تعجَّل في فهمِه المُعترض؛ هذا أوَّلًا.
ثمَّ ثانيًا: ما أزعَجَ هؤلاء من استكثارِ الرَّجل الفحل إتيانَ زوجاتِه في الحَلالِ؟ وأيُّ ضَيرٍ في ما فَعَله النَّبي ﷺ يمسُّ دينَه ومُروءته؟!
إنَّ أمثالَ هذه الشُّبَه (البارِدة) المُستحدثة في زَمَنِ الاستغرابِ هذا، ما أُراها إلَّا وساوِس ألقاها شيطان الجهل في نفوسٍ مَريضةٍ مَصبوغةٍ بأثَرٍ للنَّصرانيَّة مُحرَّفة، ترى فيها الشَّهوةَ دَنَسًا، والانتشاءَ بها عَيْبًا وقَرَفًا؛ بحيث انطَمَست عن بَصائرِهم حقيقةٌ فطريَّة، لطالَما تغنَّى بها الإنسان من عهدِ البَشريَّةِ الأولى: أنَّ مِن كمالِ الرُّجولة والأنوثةِ معًا طَلَبُ تلك الشَّهوةِ، فمُتعَة النِّكاحِ مِن أجَلِّ النِّعَم الَّتي رَزقَها الله عبادَه، وحَفْنةٌ مِن نَعيمِ الجنَّة نُثِرت على وجهِ الدُّنيا، يَسعدُ بها مَن ذاقها بحقِّها، ويَشقى بها مَن تَعدَّى بها حدودَها.
فيا لِعَيْبِ ما عَابَه البَارِدونَ على النَّبي ﷺ مِن فعلِه، وهو مَحْمَدةٌ اختَصَّه الله تعالى به ﷺ مِن حيث صِحَّةُ البِنْيةِ، وقوَّةُ الفُحوليَّة، وكمالُ الرُّجوليَّة، مع ما كان
_________
(^١) أخرجه أبو داود في (ك: الطهارة، باب: في الجنب يعود، رقم: ٢١٨)، وصححه الألباني.
(^٢) كما قرَّره ابن دقيق العيد في «إحكام الأحكام» (١/ ١٣٠)، وانظر في تقرير إفادة (كان) لمعنى المرة في «شرح النووي على مسلم» (٦/ ٢١)، و«التحبير» للمرداوي (٥/ ٢٤٣٨).
1384
المجلد
العرض
69%
الصفحة
1384
(تسللي: 1281)