المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
نعم؛ قد أجابَ على هذه بعضُ مَن صحَّح الحديث بأنْ قال: «اِعتذَرَ النَّبي ﷺ عن عدمِ تأميِره مع وَعْدِه له بذلك: لأنَّ الوعدَ لم يكن مُؤَقَّتًا، وكان يَرتقبُ إمكانَ ذلك، فلم يَتَيسَّر له ذلك، إلى أن تُوفِّي رسول الله ﷺ؛ أو لعلَّه ظَهَر له مانِعٌ شَرعيٌّ مَنَعه مِن تولِيَتِه الشَّرعيَّة؛ وإنَّما وَعَدَه بإمارَةٍ شَرعيَّة، فتَخلَّفَ لتَخلُّفِ شرطِها» (^١).
وهذه أيضًا تأويلات تلحَقُ سابقاتِها في الضَّعفِ مِن وجوه:
أولاها: أنَّ مِن المُتحقَّق علمُه عند أهل الحديث أنَّه ﷺ لم يكُن يُولِّي الإِمارةَ أحدًا سأَلها أو حَرَص عليها (^٢).
ثانيها: أنَّ وَعْدَ النَّبي ﷺ لا شكَّ كانَ مَسئولًا! فما كان مِن شأنِه -بأبي هو وأمِّي- أن يغفلَ عنه ولو بعد حين، فعلى تقديرِ أنَّه رأى أبا سفيان أهلًا للإمارة، لكن لم يَتَيسَّر له تَولِيَتَه: فلا أقَلَّ مِن أن يُوصِي به مَن بعدَه!
وحاشا صاحبَ الخُلُقِ العظيمِ أن يُبشِّرَ أحدًا بما يسُرُّه مِن مُنَاه، ثمَّ هو يغدو حالَ سبيلِه، ولا يحقِّق له مِن ذلك شيئًا.
ثالِثها: لو كان ثمَّةَ مانعٌ مِن تَولِيَة أبي سفيان عَلِمَه النَّبي ﷺ فيه كما ادَّعاه المُتأوِّل؛ لَأَعْلَمَ به أبا سفيان نفسَه، كما أعلمَ به أبا ذرٍّ ﵁ حين استأمرَه (^٣)، حتَّى لا يجدَ السَّائل في نفسِه؛ ولو كان الأمر كذلك، لنُقل هذا المانع عادةً لعظيمِ شأنِ أبي سفيان في قومِه، وإذن لَطَارَ به أعداء بني أميَّة كلَّ مَطَار، ومَارَانا بِه منهم كلُّ نَظَّار!
_________
(^١) «المُفهم» (٢١/ ٢٥).
(^٢) ومِن ذلك جوابه للأشعَرِيَّيْن اللَّذَين سَألَاه الإمارةَ بعدما أسْلَما، بقوله: «إنَّا لا نُوَّلي هذا مَن سَأَله، ولا مَن حَرص عليه»، والحديث أخرجه البخاري في (ك: الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة، رقم: ٧١٤٩).
(^٣) أعني حديث أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضَرَب بيده على منكبي، ثمَّ قال: «يا أبا ذرٍّ، إنَّك ضعيف، وإنَّها أمانة ..»، والحديث أخرجه مسلم في (ك: الإمارة، باب: باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، رقم: ١٨٢٥).
وهذه أيضًا تأويلات تلحَقُ سابقاتِها في الضَّعفِ مِن وجوه:
أولاها: أنَّ مِن المُتحقَّق علمُه عند أهل الحديث أنَّه ﷺ لم يكُن يُولِّي الإِمارةَ أحدًا سأَلها أو حَرَص عليها (^٢).
ثانيها: أنَّ وَعْدَ النَّبي ﷺ لا شكَّ كانَ مَسئولًا! فما كان مِن شأنِه -بأبي هو وأمِّي- أن يغفلَ عنه ولو بعد حين، فعلى تقديرِ أنَّه رأى أبا سفيان أهلًا للإمارة، لكن لم يَتَيسَّر له تَولِيَتَه: فلا أقَلَّ مِن أن يُوصِي به مَن بعدَه!
وحاشا صاحبَ الخُلُقِ العظيمِ أن يُبشِّرَ أحدًا بما يسُرُّه مِن مُنَاه، ثمَّ هو يغدو حالَ سبيلِه، ولا يحقِّق له مِن ذلك شيئًا.
ثالِثها: لو كان ثمَّةَ مانعٌ مِن تَولِيَة أبي سفيان عَلِمَه النَّبي ﷺ فيه كما ادَّعاه المُتأوِّل؛ لَأَعْلَمَ به أبا سفيان نفسَه، كما أعلمَ به أبا ذرٍّ ﵁ حين استأمرَه (^٣)، حتَّى لا يجدَ السَّائل في نفسِه؛ ولو كان الأمر كذلك، لنُقل هذا المانع عادةً لعظيمِ شأنِ أبي سفيان في قومِه، وإذن لَطَارَ به أعداء بني أميَّة كلَّ مَطَار، ومَارَانا بِه منهم كلُّ نَظَّار!
_________
(^١) «المُفهم» (٢١/ ٢٥).
(^٢) ومِن ذلك جوابه للأشعَرِيَّيْن اللَّذَين سَألَاه الإمارةَ بعدما أسْلَما، بقوله: «إنَّا لا نُوَّلي هذا مَن سَأَله، ولا مَن حَرص عليه»، والحديث أخرجه البخاري في (ك: الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة، رقم: ٧١٤٩).
(^٣) أعني حديث أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضَرَب بيده على منكبي، ثمَّ قال: «يا أبا ذرٍّ، إنَّك ضعيف، وإنَّها أمانة ..»، والحديث أخرجه مسلم في (ك: الإمارة، باب: باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، رقم: ١٨٢٥).
1405