أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
لا يُؤجرون عليه، ويقولون بما يُبطله الإسلامُ، جهلًا منه لمعاني الأخبار، وترك التفقُّهِ في الآثار، معتمدًا منه على رأيِه المنكوسِ، وقياسه المعكوس» (^١).
فهذا القولُ أوجهُ الأقوالِ في نظري في تفسيرِ الخبر، وأمْشاه مع المُحْكَمِ المَعلومِ مِن سُموِّ أَخلاقِ الأَنبياء، وصَلَابةِ ديانتهم، وتحاميهم عمَّا يقبحُ، ولم أَرَ -بحسب اطِّلاعي- مَن اعترضَ على هذا التَّوجيه، خِلافًا لبعضِ توجيهاتٍ أُخرى، كلُّها فُوِّقت لها سِهام النَّقد والاعتراض.
وأمَّا جواب الجهةِ الأولى مِن المعارض الثَّاني: من دعواهم أَنَّ في فِعْلِه ﵇ مراغمةً منه، حيث اعتدى على رسولٍ لله، وكون ذلك لو فعَلَه أحد مِن الناس، لعُدَّ باغيًا فاسقًا .. إلخ؛ فيُقال في جوابه:
إنَّ ذلك -كما قلنا- قد يَصحُّ لو عَلِمَ موسى ﵇ بأنَّ ذلك الدَّاخل عليه هو مَلَك الموت، وقد استبانَ خفاءُ ذلك على موسى ﵇، وأنَّ هذا هو اللَّائق الَّذي ينبغي حَمْلُ فعله عليه.
ثمَّ إنَّ صنيعَ موسى ﵇ مع الملَك ليس بأقلَّ مِن صنيعِه بنبيِّ الله هارون ﵇، حين أخذ بلحيته وبرأسه يجرُّه إليه! «وكأنَّ الوحشةَ لمِا تضمَّنه حديثُ لطمِ ملَك الموت إِنَّما وقعت للمُنكرين دون أخذِه بلحيةِ أخيه هارون ﵇: لورودِ الأوَّل عن طريقِ الحديث لا القرآن! وإلَّا فكِلتا الحادثتين بينهما قدرٌ مُشترك» (^٢).
وفي تقرير هذا التَّشابه، يقول الكلاباذيُّ: «ليس الجرُّ، والخشونة، والغِلظة، والدَّفعُ، بأقلَّ من الدَّفعِ عنك بالخُشُونةِ والغِلظة، وهو الصَّكُّ واللَّطم، دفعٌ عنك بِغِلْظةٍ وخشونة فما سواه، وليس هارون بأَدْوَن منزلةً مِن مَلَك الموت -صلوات الله عليهما-، بل هو أَجلُّ قدرًا منه وأعلى مرتبة، وأَبينُ فَضْلًا ..؛
_________
(^١) «صحيح ابن حبان» (١٤/ ١١٤ - ١١٦، بترتيب ابن بلبان).
(^٢) «دفع دعوى المعارض العقلي» (ص/٣٠٦).
1483
المجلد
العرض
74%
الصفحة
1483
(تسللي: 1370)