المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
وقالت: والَّذي أنزل الفرقان على محمِّد ما قالها رسول الله ﷺ قطُّ، إنمَّا قال: «كان أهل الجاهليَّة يتطيَّرون مِن ذلك» (^١).
وعليها قال الطَّحاوي: «إذا كان ذلك كذلك، كان ما رُوي عنها ﵂ ممَّا حفِظَته عن رسول الله ﷺ مِن إضافتِه ذلك الكلام إلى أهل الجاهليَّة أَوْلى مَّما رُوي عن غيرها فيه عنه ﷺ؛ لحفظِها عنه في ذلك ما قصُر غيرها عن حفظِه عنه فيه، فكانت بذلك أوْلى مِن غيرها، لا سيما وقد رُوي عن رسول الله ﷺ في نفيِ الطِّيرة والشُّؤم ..» (^٢).
ومُحصَّل كلامِه أنَّ هذا الاستدراك مِن عائشة على أبي هريرة في هذه الرِّوايةِ هو مِن جنسِ استدراكِها على ابن عمر في البكاءِ على الميِّت، بمعنى أنَّ ذلك كان في واقعةٍ خاصَّة، لا على العموم (^٣).
لكنَّا مع ذلك نقول: إنَّ عائشةَ نفسَها قد تُعُقِّبَت في إنكارِها ذلك! بنفيِ أن يكون رَدُّها للحديثِ حُجَّةً على مَن رَوى إثباتَ ذلك إليه ﷺ، وهذا ما تراه في كلامِ ابن عبد البرِّ، بعد سَوقِه لكلامِها، فقال: «أهلُ العلمِ لا يَرَون الإنكارَ عِلمًا، ولا النَّفيَ شهادةً ولا خبرًا!» (^٤).
وقد علمتَ قبلُ أنَّ البخاريَّ ومسلمًا أخرجا روايةَ الإثباتِ مِن حديث ابن عمر ﵁ بألفاظٍ، منها أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا عَدوى ولا طِيرة، وإنَّما الشُّؤم في ثلاثة ..»، وقد عَلِمتَ أيضًا أنَّ تصدير هذه الرِّواية بنفي الطِّيرة دالٌّ على أنَّ ما بعده لا يُناقض هذا الحكم، ومانع مِن تَوهُّمِ أنَّ رواياتِ الإثباتِ تخالفُ نصوصَ نفيِ الطِّيرة.
_________
(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ٢٦٠٣٤)، وابن قتيبة في «مختلف الحديث» (ص/١٧٠)، والطَّحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢/ ٢٥٥، رقم: ٧٨٦)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٩/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، قال مُخرِّجو المسند: «إسناده صحيح على شرط مسلم».
(^٢) «شرح مشكل الآثار» (٢/ ٢٥٢).
(^٣) انظر «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصَّحابة» للزَّركشي (ص/١١٥).
(^٤) «الاستذكار» (٨/ ٥١١).
وعليها قال الطَّحاوي: «إذا كان ذلك كذلك، كان ما رُوي عنها ﵂ ممَّا حفِظَته عن رسول الله ﷺ مِن إضافتِه ذلك الكلام إلى أهل الجاهليَّة أَوْلى مَّما رُوي عن غيرها فيه عنه ﷺ؛ لحفظِها عنه في ذلك ما قصُر غيرها عن حفظِه عنه فيه، فكانت بذلك أوْلى مِن غيرها، لا سيما وقد رُوي عن رسول الله ﷺ في نفيِ الطِّيرة والشُّؤم ..» (^٢).
ومُحصَّل كلامِه أنَّ هذا الاستدراك مِن عائشة على أبي هريرة في هذه الرِّوايةِ هو مِن جنسِ استدراكِها على ابن عمر في البكاءِ على الميِّت، بمعنى أنَّ ذلك كان في واقعةٍ خاصَّة، لا على العموم (^٣).
لكنَّا مع ذلك نقول: إنَّ عائشةَ نفسَها قد تُعُقِّبَت في إنكارِها ذلك! بنفيِ أن يكون رَدُّها للحديثِ حُجَّةً على مَن رَوى إثباتَ ذلك إليه ﷺ، وهذا ما تراه في كلامِ ابن عبد البرِّ، بعد سَوقِه لكلامِها، فقال: «أهلُ العلمِ لا يَرَون الإنكارَ عِلمًا، ولا النَّفيَ شهادةً ولا خبرًا!» (^٤).
وقد علمتَ قبلُ أنَّ البخاريَّ ومسلمًا أخرجا روايةَ الإثباتِ مِن حديث ابن عمر ﵁ بألفاظٍ، منها أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا عَدوى ولا طِيرة، وإنَّما الشُّؤم في ثلاثة ..»، وقد عَلِمتَ أيضًا أنَّ تصدير هذه الرِّواية بنفي الطِّيرة دالٌّ على أنَّ ما بعده لا يُناقض هذا الحكم، ومانع مِن تَوهُّمِ أنَّ رواياتِ الإثباتِ تخالفُ نصوصَ نفيِ الطِّيرة.
_________
(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (رقم: ٢٦٠٣٤)، وابن قتيبة في «مختلف الحديث» (ص/١٧٠)، والطَّحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢/ ٢٥٥، رقم: ٧٨٦)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٩/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، قال مُخرِّجو المسند: «إسناده صحيح على شرط مسلم».
(^٢) «شرح مشكل الآثار» (٢/ ٢٥٢).
(^٣) انظر «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصَّحابة» للزَّركشي (ص/١١٥).
(^٤) «الاستذكار» (٨/ ٥١١).
1659