أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
ومثاله أيضًا عند البخاريِّ:
قوله (^١): قال لي عبد الله بن محمَّد: حدَّثنا هشام قال: حدَّثنا معمر، عن ابن أبي ذئب، عن الزُّهري، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما أدري أَعُزيرٌ نبيًّا كان أم لا، وتُبَّع لَعينًا كان أم لا، والحدود كفَّارات لأهلها أم لا» (^٢).
فهذا إسناد مرسل؛ قد ساق البخاريُّ عقبه طريقًا آخر عن عبد الرَّزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النَّبي ﷺ، ثمَّ قال: «والأوَّل أصحُّ، ولا يثبت هذا عن النَّبي ﷺ؛ لأنَّ النَّبي ﷺ قال: الحدود كفَّارة» (^٣).
فقد رجَّح البخاريُّ فيهما الإرسالَ على الوَصل، كون المتن المُستنكَر أوْلى بذلك الإسنادِ المنقطع من المَوصول.
وأمَّا مثاله عند مسلم:
فما ذكره عند تعليلِه روايةَ من قصر سند حديثَ جبريل ﵇ على ابن عمر ﵁، فقال: «ذَكرنا روايةَ الكوفيِّين حديثَ ابن عمر ﵁ في سؤال جبريل النَّبي ﷺ عن الإيمان والإسلام، وقد أوهموا جميعًا في إسناده! إذ انتهوا
_________
(^١) في «التَّاريخ الكبير» (١/ ١٥٢).
(^٢) أخرجه من حديث أبي هريرة: الحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٧، رقم: ٢١٧٤)، والبزار في «المسند» (١٥/ ١٧٦، رقم:٨٥٤١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (ك: الأشربة والحدود فيها، باب: الحدود كفارات، رقم: ١٧٥٩٥).
(^٣) وقد رجَّح غير واحد من الأئمة الوجه المرسل الذي رواه هشام بن يوسف الصَّنعاني عن معمر، على الوجه الموصول الذي رواه عبد الرزاق عن معمر من جهة تقديمهم لهشامٍ على عبد الرَّزاق، فهو من أقرانِه، لكنَّه أجلُّ منه وأتقن. انظر سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٨٠).
وقد أبان البخاريُّ أنَّ من أسباب تعليله للحديث: كون حديث «الحدود كفارة» متقدم عن الحديث الأوَّل في نفي العلم بكونه كفارة، لأنَّه من حديث عبادة ﵁ وقد كان في بيعة العقبة الأولى، وقد أسلم بعده أبو هريرة بسبع سنين عام خيبر، بيد أنَّ ابن حجر في «الفتح» (١/ ٦٦) خالف البخاريَّ ورجَّح صحَّة حديث أبي هريرة ﵁: «ما أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا ..» وأنَّ البيعة التي ورد فيها الحديث وقعت بعد فتح مكة عند نزول سورة الممتحنة، والله أعلم.
627
المجلد
العرض
32%
الصفحة
627
(تسللي: 593)