أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
قلت: فأمَّا قولُ الشَّافعي: «لم يَسمَعْ سليمانُ -عَلِمناه- مِن عائشة حرفًا قطُّ»، فهو مِن ورَعِه في الحيطَة، فقد قيَّد كلامَه بحسبِ ما يَعلمُه من ذلك (^١)؛ كما أنَّ في قولِ الشَّافعيِّ: «.. هم يَخافون فيه غلطَ ميمون»، ما يوحي بعدمِ جزمِه بذلك أيضًا.
لكن الصَّحيح سماعُ سليمان مِن عائشة ﵂ مِن وجوهٍ عدَّة، منها ما هو ما مُصرَّح به عند الشَّيخين في «صَحِيحَيْهما» (^٢)؛ وعليه بَوَّب ابنُ حبَّان بقوله: «ذِكرُ الخَبرِ المُدْحِضِ قولَ مَن زَعَم أنَّ سليمان بن يسار لم يَسمع هذا الخبَر مِن عائشة» (^٣).
وعمرو بن ميمون راويه عن سليمان -وهو مَن خاف الشَّافعي غلَطه فيه- مِن الثِّقاتِ المَشهورين (^٤)، قد رَواه عنه أحدَ عشرَ راويًا فيهم أئمَّةٌ كِبار (^٥)؛ فضلًا عن ورودِ الحديث مِن طُرقٍ أخرى عن غيرِ سليمان بنِ يَسار (^٦).
فالحديث بهذا ثابتٌ عنه بلا رَيبٍ.
وأمَّا شُبهة احتمالِ غَلَطِ (عمرو بن ميمون)، فمبعثها: مَجيء روايةٍ عنه أنَّها فتوًى لسليمانَ؛ وهذا الاختلاف قد أجابَ عنه ابنُ حَجر بقوله: «ليس بين فَتواه ورِوايته تَنافٍ، وكذا لا تأثيرَ للاختلافِ في الرِّوايتين، حيث وَقَع في إحداهما أنَّ عمرو بن ميمون سألَ سليمانَ، وفي الأخرى: أنَّ سليمان سأل عائشة، لأنَّ كلًّا منهما سَأَل شيخَه، فحفظ بعضُ الرُّواة ما لم يحفظ بعضٌ، وكلُّهم ثِقات» (^٧).
_________
(^١) وجَزَم بنَفيِ السَّماع البزَّارُ، نقله ابن الجوزي في «التَّحقيق» (٢/ ١٦٢).
(^٢) جاء في البخاري (برقم: ٢٢٨) بإسناده عن سليمان قال: «سمعت عائشة ..» وفي لفظ: «سألت عائشة ..»، وكذا في مسلم (برقم: ٢٨٩) عن سليمان قال: «أخبرتني عائشة ..».
(^٣) «صحيح ابن حبان» (٤/ ٢٢٢، برقم: ١٣٨٢)، أورده فيه من طريق يزيد بن هارون.
(^٤) انظر «الكاشف» للذهبي (٢/ ٨٩)، و«تقريب التهذيب» لابن حجر (ص/٤٢٧) وقال: «ثقة فاضل».
(^٥) انظر أسمائهم في «المسند الجامع» لمحمود خليل (١٩/ ٣٠٠).
(^٦) تجدها في «السنن» للدراقطني (١/ ١٢٥)، و«شرح معاني الآثار» للطحاوي (١/ ٥١)، و«المسند» لأبي عوانة (١/ ١٧٤).
(^٧) «فتح الباري» (١/ ٣٣٤).
711
المجلد
العرض
36%
الصفحة
711
(تسللي: 674)