أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
ومِن مَظاهرِ تحكُّم عبد الله بن الصِّديق في نقدِ «الصَّحيحين»: بما ندَّعيه عليه من استحكام النَّزعة المذهبيَّة: محاوَلتُه اليائسة للطَّعنَ في حديثِ مُعاوية بن الحَكم ﵁ الَّذي سأل فيه النَّبي ﷺ الجارية عن الله بأين
(^١) حيث حكَمَ عبد الله بشذوذِ هذا الحديث الصَّحيح وهو في «مسلم»! وبنفسِ العِلَل التَّي ساقَها سَلَفه الكَوثريُّ لإبطال الحديث؛ ثمَّ زاد عليه أشياءَ تَنقضُ المتنَ في زعمِه لم يذكرها الكوثريُّ
(^٢).
وقد تَمادى بعبد اللهِ الخَطلُ في مثالٍ آخر أبطلَ فيه الحديثَ المُتَّفق على صِحَّته بين العلماء! مِن قولِه ﷺ آخرَ عُمرهِ المُباركِ: «لَعَنَ الله اليَهود والنَّصارى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائِهم مَساجد» (^٣)؛ بل أبطلَ أحاديثَ هذا البابِ كلِّها! بدعوى مُخالَفتِها لمِا يَفهمه مِن القرآن غيرَ مُبالٍ بتَكاثر طُرقِها، وتَواترِ مَعناها عن النَّبي ﷺ (^٤).
هذا وهو المُقرُّ بأنَّ أكثرَ أهل العلم متقدِّمين ومتأخِّرين قد عَمِلوا به، لكن عذرُهم في ذلك عنده: أنَّهم لم يَتَفطَّنوا لِما تَفَطَّن له فيه مِن العِلَل الَّتي تَقضي بتركِ العَمل به واعتقاده.
يقول: «هذا حديثٌ ثابتٌ في الصَّحيحين وغيرهِما مِن طُرق، وقد عَمِل به كثيرٌ مِن العلماء المُتقدِّمين والمتأخِّرين، ولم يتَفَطَّنوا لمِا فيه مِن العِلَل الَّتي تقتضى
_________
(^١) «الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة» لعبد الله الغماري (ص/٨٧ - ٩١).
(^٢) ستأتي مناقشتها في موضعها المُناسب من هذا البحث (٢/ ٧٧٤).
(^٣) أخرجه البخاري (ك: الجنائز، باب: ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵃، رقم: ١٣٩٠)، ومسلم (ك: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها، رقم: ٥٢٩).
(^٤) ذكره الكتَّاني في «نظم المتناثر» (ص/١٣٠ - ١٣١).
748
المجلد
العرض
38%
الصفحة
748
(تسللي: 709)