أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
يُسعفُكَ على ذلك، لأنَّ الجِهة ليست أمرًا وجوديًّا، بل أمرٌ اعتِباريٌّ، ولا شكَّ أنَّ الجهات لا نهاية لها، وما لا يوجد فيما لا نهاية له فليس بمَوجود» (^١).
وكذلك نقول في لفظ «التَّحيُّز»:
إن أريدَ به أنَّ الله تحُوزُه المخلوقات: فالله أعظم وأكبر، بل قد وَسِع كرسيُّه السَّموات والأرض .. وإن أريدَ به أنَّه مُنحازٌ عن المخلوقات، أي مُبايِنٌ لها، مُنفصل عنها، ليس حالًّا فيها: فهو سبحانه كما قال أئمَّة السُّنة: فوقَ سمواته على عرشه، بائنٌ مِن خلقه (^٢).
وكذا إذا قيل: أنَّه في جِهة بذلك الاعتبار الَّذي قُرِّر هنا قريبًا، فهو صحيح، ومعناه: أنَّه فوق العالم حيث انتَهَت المخلوقات، فهو بذا فوق الجميع، عالٍ عليهم.
والحاصل: أنَّ هذه اللَّوازم السَّالف إيرادها مِن قِبل المُعترضين، من لفظ الجِهة والمُقابلة ونحوها: ليست ممتنعةً عند أهلِ السُّنة؛ فإذا كانت (المُقابلة) لازمةً للرُّؤية فهي حَقٌّ، وما كان حقًّا وصوابًا، فلازمه كذلك (^٣).
وأمَّا استدلال المعترض على نفيِ أحاديث الرُّؤية بآية: ﴿لَاّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾:
فالاستدلال بهذا منه عجيب، لأنَّه لو تَأمَّله بتجرُّد، لوَجده عليه لا له! بكِلَا قَوْلي الصَّحابة في تفسيرِها.
فأوَّل قَوْلَيهم في ذلك: أنَّ الإدراكَ في الآية بمعنى الرُّؤية، وحَملوا الآيةَ على نفيِ الرُّؤية في الدُّنيا بخصوصِها، لقوله ﷺ: «إنَّكم لنْ تَرَوا ربَّكم حتَّى
_________
(^١) «شرح الطحاوية» لابن أبي العز (١/ ٢٦٧) بتصرف يسير.
(^٢) «التَّدمرية» (ص/٦٦ - ٦٧).
(^٣) وما مرَّ من تفصيلٍ في هذا الجواب، يقول عنه ابن تيميَّة: «ممَّا خاطبتُ به غيرَ واحدٍ مِن الشِّيعة والمعتزلةِ، فنفعه الله به، وانكشفَ بسببِ هذا التَّفصيل ما وقع في هذا المقامِ مِن الاشتباهِ والتَّعطيل»، «منهاج السنة» (٢/ ٣٤٩).
823
المجلد
العرض
42%
الصفحة
823
(تسللي: 779)