أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
فكونُ ذلك وَقَع مِن النَّبي ﷺ متمسِّكًا بالظَّاهرِ على ما هو المشروع في الأحكامِ إلى أن يقوم الدَّليلُ الصَّارف عن ذلك: لا إشكالَ فيه، فللَّه الحمد على ما أَلهم وعلَّم» (^١).
وعندي في جواب ابن حجر هذا نوعُ نظر، أقول فيه -والعلم عند الله-:
إنَّ القول بتأخُّر نزولِ تتِمَّةِ الآيةِ -والَّتي فيها ذكر تعليلِ نفيِ المغفرة- يُحتاجُ في إثباتِه إلى دليلٍ نقليٍّ مستقلٍّ، فإنَّ الكلامَ في نزول سُور القرآن وآيِه وتنجيمِه مُتوقِّف علمُه على الرِّوايةِ أصالةً، لا على اجتهادٍ في الرَّأي.
ومع ذلك يُقال هنا: إنَّه إذا تَبيَّن ما سَلف تقريرُه مِن تفريقٍ بين المآل الأخرويِّ والفائدة الدُّنيويَّة في الصَّلاة على المنافقين، لم نحتج بعدُ إلى القولِ بتأخُّرِ نزولِ باقي الآية مِن الأساس، حتَّى على فرضِ عِلْمِ النَّبيِّ ﷺ بكفرِ ابن سلولٍ في الباطن، فإنَّ ذلك لا يمنَعُ مِن الصَّلاة عليه، جريًا على حكمِ الظَّاهر، على ما جَرَت به عادتُه الحكيمة في معاملةِ هذا الصِّنفِ مِن العَدوِّ.
وأمَّا دعوى المعارضةِ الثَّانية من كونِ المتبادرِ مِن الآيةِ كنايةُ السَّبعين عن الكثرة .. إلخ، فجوابها:
أنَّ في روايات قصَّةِ النَّبي ﷺ مع عمرَ ﵁ في شأنِ ابن سَلولٍ بعض اختلافٍ في ألفاظها، قد نَبَّه غير واحدٍ مِن أهل العلم إلى ذلك، حتَّى قال الآلوسيُّ: «.. والأخبارُ فيما كان منه ﷺ مع ابنِ أبيٍّ من الصَّلاة عليه وغيرها لا تخلو من التَّعارض ..» (^٢).
فأمَّا رواية عمر ﵁ نفسِه للحادثة: فجاءت مِن رواية ابن عبَّاس ﵁ عنه، والَّذي فيها أنَّ النَّبي ﷺ قال له: «أخِّرْ عنِّي يا عمر»، قال عمر: فلمَّا أكثرتُ عليه قال: «إنِّي خُيِّرت فاخترتُ، لو أعلمُ أنِّي إن زِدتُ على السَّبعين يُغفر له، لزِدتُ عليها» (^٣).
_________
(^١) «فتح الباري» (٨/ ٣٣٩).
(^٢) «روح المعاني» (٥/ ٣٤٢)، وانظر «التحرير والتنوير» لابن عاشور (١٠/ ٢٧٨).
(^٣) أخرجه البخاري في (ك: الجنائز، باب: ما يكره من الصلاة على المنافقين، والاستغفار للمشركين، رقم: ١٣٦٦)، وفي (ك: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، رقم: ٤٦٧١).
854
المجلد
العرض
43%
الصفحة
854
(تسللي: 807)