أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
ثمَّ أئمَّة العِلَل بعده أجدرَ النَّاس أن يُوَفَّقوا لبيانِ ذلك، وأوْلى أن يُعِلِّوا حديثَها بهذا الانفرادِ المُدَّعى.
بل أنا أقول: إنَّ في نفسِ تفرِقَتِها بين هذين الخبرين وهي تُحدِّث بهما، لأكبرُ دليل على تثبُّتِها ومَزيد عنايتِها وتمييزها لِما تُنميه إلى نبيِّها ﷺ مِن غيرِه!
يبقى إشكال أخيرٌ قد يُشَوَّش به على أذهانِ من يعتقد صحَّة حديثِ فاطمة هذا، وهو: أنَّ عددًا مِن الصَّحابة ﵃ ظَلَّ على اعتقادِ أنَّ ابنَ صيَّادٍ (^١) هو الدَّجالُ، أو كان يرتابُ فيه على أقلِّ تقدير، حتَّى بعد وفاة النَّبي ﷺ، مع أنَّه قد خُطِب فيهم قبلُ بقصَّة تميم، مِن هؤلاء: ابن مسعود (^٢)، وأبو سعيد الخدري (^٣)، وابن عمر (^٤)، وأختُه حفصة (^٥)،
وجابر بن عبد الله، وكان يحلِف على ذلك، فلمَّا سُئِل عن حلِفه هذا قال: «إنِّي سمعتُ عمرَ يحلِف على ذلك عند النَّبي ﷺ، فلم يُنكِره النَّبي ﷺ» (^٦).
فالفَرض في حديث الجسَّاسةِ أن يكون قاطعًا للنِّزاع في ماهيَّة ابن صيَّاد بكونِه غير المَسيح الدَّجال، فإنَّ هذا مَحبوس في جزيرة، فلِم بَقوا على اعتقادِ ذلك فيه؟
_________
(^١) ويُقال له: ابن صيَّاد أيضًا، وسُمِّي بهما في الأحاديث، واسمه: صاف، وقيل: عبد الله، وهو من يهود المدينة، أظهر إسلامَه بعدُ، قال العلماء: وقصَّتُه مشكلة، وأمره مُشتبه في أنَّه هل هو المسيح الدَّجال المشهور أم غيره؟! ولاشكَّ في أنَّه دجَّال من الدَّجاجلة، قالوا: وظاهر الأحاديث أنَّ النَّبي ﷺ لم يُوحَ إليه بأنَّه المسيح الدَّجال ولا غيره، وإنَّما أوحي إليه بصفات الدَّجال، وكان في ابن صيَّاد قرائن محتملة، فلذلك كان النَّبي ﷺ لا يقطع بأنَّه المسيح الدَّجال ولا غيره، انظر «شرح النَّووي على مسلم» (١٨/ ٤٦).
(^٢) كما في «مسند» لأبي يعلى (٩/ ١٣٢، رقم: ٥٢٠٧)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (٧/ ٣٨٧، رقم: ٢٩٤٣)، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٠/ ١٠٩، رقم: ١٠١١٩) بإسناد صحيح.
(^٣) كما في «صحيح مسلم» (ك: الفتن، باب: ذكر ابن صياد، رقم: ٢٩٢٧).
(^٤) في «سنن أبي داود» (ك: الملاحم، باب: في خبر ابن صائد، رقم: ٤٣٣٠) بإسنادٍ صحيح.
(^٥) في «صحيح مسلم» (ك: الفتن، باب: ذكر ابن صياد، رقم: ٢٩٣٢) ..
(^٦) كما في البخاري (ك: الاعتصام، باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة، لا من غير الرسول، رقم: ٧٣٥٥)، ومسلم في (ك: الفتن، باب: ذكر ابن صياد، رقم: ٢٩٢٩).
1043
المجلد
العرض
52%
الصفحة
1043
(تسللي: 973)