المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
وأمَّا الجواب الثَّاني: فلعَلَّ ظاهرَ حديث تميم ﵁ لم يَكُن قاطِعًا في نفيِ كونِ ابن صيَّادٍ الدَّجالَ عند مَن رمَاه به من الصَّحابة، لِما ظَنَّه مِن قِرائن تقطعُ في مَجموعِها بكونِه هو، كما جَرى لجابرٍ في اعتقادِه، حيث شهِدَ حلِفَ عمر ﵁ عند النَّبي ﷺ بأنَّه هو، فاستصحَبَ ما كان اطَّلعَ عليه مِن عمر ﵁ بالحضرة النَّبويَّة، فظَنَّ هذا إقرارًا قاطعًا على صدقِ المَحلوفِ عليه (^١).
وهذا بخلافِ قصَّةِ تَميم، إذْ كانت ظنيَّةَ في دلالتِها في نفيِ ذلك عنه؛ ذلك أنَّ ما رآه أمرٌ عَجيبٌ خارج عن العادة، فمُحتَملٌ أَن يكون ما لقِيَه شيطانًا صُوِّرَ له الدَّجالَ، أو كان قرينَه، فصارَ يتكَلَّم إلى تميمٍ بلسانِ الدَّجَال، كأنَّه مِن بابِ التَّمثيلِ له، وهذا أمرٌ عَجَبٌ لا شكَّ.
وأمرُ الدَّجال مُلتبِسٌ على كلِّ الأحوال، يُتوقَّع منه أيُّ شيء مخالفٌ للمَألوف.
وفي تقرير ذلك يقول المُعلِّمي: «قد يأذنُ الله تعالى للشَّياطين -لحكمةٍ خاصَّةٍ- فيتمثَّلون في صُوَرٍ يَراها مَن حَضَر، فأمَّا الجسَّاسة: فشيطان، وأمَّا الدَّجال: فقد قال بعضُهم إنَّه شيطان، وعلى هذا فلا إشكال، كَشَف الله تعالى لتميمٍ وأصحابه فرَأوا الدَّجالَ وجسَّاسَتَه وخاطبوهما، ثمَّ عادَ حالهما إلى طبيعةِ الشَّياطين مِن الاسْتِتار، وإنْ كان الدَّجال إنسانًا: فلا أَرى ذلك إلَّا شيطانًا مُثِّل في صورةِ الدَّجال ..» (^٢).
_________
(^١) هذا على فرضِ التَّسليم لجابر ﵁ فهمَه هذا من سكوت النَّبي ﷺ، وفيه نظر، فإنَّ مسألة ما إذا أُخبِر بحضرة النَّبي ﷺ عن أمرٍ ليس فيه حكم شرعيٌّ، هل يكون سكوته ﷺ دليلًا على مطابقةِ ما في الواقع، كما وقع لعمر هنا في حلفه على ابن صيَّاد هو الدَّجال ولم ينكِر عليه؟ فهل يدلُّ عدم إنكارِه على أنَّه هو الدَّجال كما فهمه جابر أو لا يدلُّ؟
يقول ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام» (١/ ٩٦): «الأقرب عندي: أنَّه لا يدلُّ؛ لأنَّ مأخذَ المسألة ومناطَها - أعني: كونَ التَّقرير حجَّةً - هو العصمةُ من التَّقرير على باطل، وذلك يتوقَّف على تحقُّق البطلان، ولا يكفي فيه عدمُ تحقُّق الصِّحة، إلَّا أن يدَّعيَ مُدَّعٍ: أنَّه يكفي في وجوب البيان عدم تحقُّق الصِّحة، فيحتاج إلى بيان ذلك، وهو عاجزٌ عنه؛ نعم، التَّقرير يدلُّ على جواز اليَمين على حسب الظَّن، وأنَّه لا يتوقَّف على العلم؛ لأنَّ عمرَ ﵁ حلف على حسب ظنِّه، وأقرَّه عليه».
(^٢) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٣٤).
وهذا بخلافِ قصَّةِ تَميم، إذْ كانت ظنيَّةَ في دلالتِها في نفيِ ذلك عنه؛ ذلك أنَّ ما رآه أمرٌ عَجيبٌ خارج عن العادة، فمُحتَملٌ أَن يكون ما لقِيَه شيطانًا صُوِّرَ له الدَّجالَ، أو كان قرينَه، فصارَ يتكَلَّم إلى تميمٍ بلسانِ الدَّجَال، كأنَّه مِن بابِ التَّمثيلِ له، وهذا أمرٌ عَجَبٌ لا شكَّ.
وأمرُ الدَّجال مُلتبِسٌ على كلِّ الأحوال، يُتوقَّع منه أيُّ شيء مخالفٌ للمَألوف.
وفي تقرير ذلك يقول المُعلِّمي: «قد يأذنُ الله تعالى للشَّياطين -لحكمةٍ خاصَّةٍ- فيتمثَّلون في صُوَرٍ يَراها مَن حَضَر، فأمَّا الجسَّاسة: فشيطان، وأمَّا الدَّجال: فقد قال بعضُهم إنَّه شيطان، وعلى هذا فلا إشكال، كَشَف الله تعالى لتميمٍ وأصحابه فرَأوا الدَّجالَ وجسَّاسَتَه وخاطبوهما، ثمَّ عادَ حالهما إلى طبيعةِ الشَّياطين مِن الاسْتِتار، وإنْ كان الدَّجال إنسانًا: فلا أَرى ذلك إلَّا شيطانًا مُثِّل في صورةِ الدَّجال ..» (^٢).
_________
(^١) هذا على فرضِ التَّسليم لجابر ﵁ فهمَه هذا من سكوت النَّبي ﷺ، وفيه نظر، فإنَّ مسألة ما إذا أُخبِر بحضرة النَّبي ﷺ عن أمرٍ ليس فيه حكم شرعيٌّ، هل يكون سكوته ﷺ دليلًا على مطابقةِ ما في الواقع، كما وقع لعمر هنا في حلفه على ابن صيَّاد هو الدَّجال ولم ينكِر عليه؟ فهل يدلُّ عدم إنكارِه على أنَّه هو الدَّجال كما فهمه جابر أو لا يدلُّ؟
يقول ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام» (١/ ٩٦): «الأقرب عندي: أنَّه لا يدلُّ؛ لأنَّ مأخذَ المسألة ومناطَها - أعني: كونَ التَّقرير حجَّةً - هو العصمةُ من التَّقرير على باطل، وذلك يتوقَّف على تحقُّق البطلان، ولا يكفي فيه عدمُ تحقُّق الصِّحة، إلَّا أن يدَّعيَ مُدَّعٍ: أنَّه يكفي في وجوب البيان عدم تحقُّق الصِّحة، فيحتاج إلى بيان ذلك، وهو عاجزٌ عنه؛ نعم، التَّقرير يدلُّ على جواز اليَمين على حسب الظَّن، وأنَّه لا يتوقَّف على العلم؛ لأنَّ عمرَ ﵁ حلف على حسب ظنِّه، وأقرَّه عليه».
(^٢) «الأنوار الكاشفة» (ص/١٣٤).
1045