أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
فمكان الدَّجال وخروجه أمرٌ نَطَق به النَّبي ﷺ ابتداءً مِن عندِه حيث اجتَهد، ولا علاقة لتميمٍ ﵁ به.
وعلى فرضِ أنَّ المكاشفة كانت لكلامِ تميم ﵁ نفسِه؛ فإنَّ بطلان كلامِ المعترضِ في تضاعيف دعواه نفسِها! إذْ لَولا أنَّ النَّبي ﷺ قد أقرَّه على خبرِه، ما جَعَل بروزَ الدَّجال مِن بحرِ الشَّام أو بحر اليَمن، إذ هُما البَحْران المُتوَقَّع ضياع سَفينةِ تَميم فيهما، فظَنَّ النَّبي بمُقتضى كلامِ تميم ﵁ أنَّ الدَّجال في هذين، فكان كالفرعِ مِن الأصل، حتَّى كاشفه الوَحي بخلافِ اجتهادِه هذا.
ثمَّ يُقال لـ (رشيد رضا): كيف للوحيِ أن يَتنزَّل على نبيِّنا ﷺ ليُصحِّحَ له جِهةَ خروجِ الدَّجال، ثمَّ يسكتَ عن أكثرِ أباطيل القِصَّة لو كانت باطلة؟! فيتركَ النَّبيَ ﷺ والمسلمين معه يُصدِّقون هذا الباطلَ، بل ويُوثِّقون تميمًا ﵁ صاحبَ القصَّة، ويأخذون عنه بعدُ الأخبارَ مِن غير ريبةٍ؟!
بل العقل الحصيف يفرض علينا القول بأنَّ إخبار النَّبي ﷺ عن تميم الدَّاري مُصِدِّقًا له، لمِن أجلى الأمثلةِ على أنَّ ما تَلقَّاه الرَّسول بالقَبول مِن الأخبارِ مُوجبٌ للعلمِ (^١).
هذا؛ وما كان لنبيِّنا ﷺ أن يُصدِّق دعاوي المنافقين هكذا بإطلاقٍ كما أفرطَ في دعواه (رشيد رضا)، وهو منه ذهولٌ عن قولِه تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]؛ فإنَّه هو ﷺ يُصدِّق كلامَ المؤمنين، ولا يصدِّق المنافقين وإن سمِع قولَهم (^٢).
العجيب في هذا الادِّعاء من (رشيد)، أنَّه قد نَقَضَ شبهتَه هذه بنفسِه عند تفسيرِه لهذه الآية السَّابقة! حيث قرَّر عندها أنَّ النَّبي ﷺ «كان يُعامل المنافقين بأحكامِ الشَّريعة وآدابها الَّتي يعامل بها عامَّة المسلمين، كما أمره الله تعالى ببناء
_________
(^١) انظر «مختصر الصواعق المرسلة» (ص/٥٥٦).
(^٢) انظر «المحرر الوجيز» لابن عطية (٣/ ٥٣).
1050
المجلد
العرض
53%
الصفحة
1050
(تسللي: 980)