أيقونة إسلامية

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

الإمام النووي
المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين - المؤلف
فإن قيل: فما معنى قوله: «وأغضبُ كما يغضب البَشر»، وهذا يشير إلى أنَّ تلك الدَّعوة وَقَعت بحُكمِ سَوْرة الغَضب، لا على أنَّها مِن مُقتضى الشَّرع؟ ..
قيل: يحتمل أن يكون ﷺ أرادَ أنَّ دعوتَه عليه، أو سَبَّه، أو جلده، كان ممَّا خُيِّر بين فعلِه له عقوبةً للجاني، أو تركِه والزَّجْرِ له بما سِوى ذلك، فيكون الغضبُ لله سبحانه بَعَثه على لَعْنَتِه أو جلِده، ولا يكون ذلك خارجًا عن شَرْعِه، ولا مُوقِعًا له فيما لا يجوز.
ويحتمل أن يكون خَرَج هذا مَخرجَ الإشفاقِ منه ﷺ، وتعليمِ أمَّتِه الخوفَ مِن تعدِّي حدودِ الله تعالى، فكأنَّه ﷺ يُظهِر الإشفاقَ مِن أن يكون الغَضبُ يحمِلُه على زيادةٍ يسيرةٍ في عقوبةِ الجاني، لولا الغَضبُ ما زادَها ولا أوقعَها، .. أو إشفاقًا منه ﷺ وإن لم يَقَع فيه» (^١).
وأبدى القاضي عياض احتمالًا آخرَ قال فيه: «.. هو ﷺ لا يقولُ ولا يفعلُ في حالِ غضَبِه ورضاه إلَّا صِدْقًا وحقًّا، لكن غضبُه لله تعالى قد يحمِله على الشِّدة في أمرِه، وتعجيلِ عقوبةِ مُخالفِه، وتركِ ما قد أُبىح له مِن الإغضاءِ عنه والصَّفح، فقد جاء في الحديث: أنَّه ما انتقمَ لنفسِه قطُّ، إلَّا أن يُنتهَك حُرمة الله» (^٢).
فعلى هذا؛ يكون معنى قوله ﷺ «ليس لها بأهلٍ»: أي مِن جِهة تَعيُّن التَّعجيل.
وأمَّا دعوى (السُّبحاني) أنَّ ما وَرد في الحديث إنْ صَدر منه ﷺ على مُستحَقٍّ، فلا حاجة معه إلى اعتذار .. إلخ:
فهذه سَوءةٌ من سَوءاتِ فهمه لكلام العرب، فليس في الحديث أيُّ اعتذار مِن الأساسِ! إنَّما فيه زيادة احتياطٍ منه ﷺ ورَعًا ووَجلًا أن يلقى الله تعالى بأدنى شُبهةِ حَقٍّ لأحدٍ في ذِمَّتِه.
_________
(^١) «المعلم بفوائد مسلم» (٣/ ٢٩٦).
(^٢) «إكمال المعلم» (٨/ ٧٢).
1333
المجلد
العرض
66%
الصفحة
1333
(تسللي: 1235)