اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

تقريب فتاوى ابن تيمية

الإمام النووي
تقريب فتاوى ابن تيمية - المؤلف
وَلَمْ يَكُن أَحَدٌ إذ ذَاكَ يَتَكَلَّم فِي يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَلَا كَانَ الْكلَامُ فِيهِ مِن الدِّينِ، ثُمَّ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْيَاءُ، فَصَارَ قَوْمٌ يُظْهِرُونَ لَعْنَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوَيةَ، وَرُبَّمَا كَانَ غَرَضُهُم بِذَلِكَ التَّطَرُّقَ إلَى لَعْنَةِ غَيْرِهِ، فَكَرِهَ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَعْنَةَ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِمَن كَانَ يَتَسَنَّنُ؛ فَاعْتَقَدَ أَنَّ يَزِيدَ كَانَ مِن كِبَارِ الصَّالِحِينَ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى، وَصَارَ الْغُلَاةُ فِيهِ عَلَى طَرَفَيْ نَقِيضِ.
وَهَذَا الْغُلُوُّ فِي يَزِيدَ مِن الطَّرَفَيْنِ خِلَافٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
فَإِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيةَ وُلدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عفان -﵁-، وَلَمْ يُدْرِك النَّبِيَّ -ﷺ-، وَلَا كَانَ مِن الصَّحَابَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا كَانَ مِن الْمَشْهُورِينَ بِالدِّينِ وَالصَّلَاحِ، وَكَانَ مِن شُبَّانِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا كَانَ كَافِرًا وَلَا زِنْدِيقًا، وَتَوَلَّى بَعْدَ أَبِيهِ عَلَى كَرَاهَةٍ مِن بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَرضى مِن بَعْضِهِمْ، وَكَانَ فِيهِ شَجَاعَةٌ وَكَرَمٌ، وَلَمْ يَكن مُظْهِرًا لِلْفَوَاحِشِ كَمَا يَحْكِي عَنْهُ خُصُومُهُ.
وَجَرَتْ فِي إمَارَتِهِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ:
أَحَدُهَا: مَقْتَل الْحُسَيْنِ -﵁-، وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَلَا أَظْهَرَ الْفَرَحَ بِقَتْلِهِ، وَلَا نَكَّتَ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ -﵁-، وَلَا حَمَلَ رَأْسَ الْحُسَيْنِ -﵁- إلَى الشَّامِ، لَكِنْ أَمَرَ بِمَنْعِ الْحُسَيْنِ -﵁- وَبِدَفْعِهِ عَن الأمْرِ وَلَو كَانَ بِقِتَالِهِ.
فَزَادَ النُّوَّابُ عَلَى أَمْرِهِ.
فَطَلَبَ مِنْهُم الْحُسَيْنُ -﵁- أَنْ يَجِيءَ إلَى يَزِيدَ أَو يَذْهَبَ إلَى الثَّغْرِ مُرَابِطًا أَو يَعُودَ إلَى مَكَةَ، فَمَنَعُوهُ -﵁- إلَّا أَنْ يَسْتَأْسِرَ لَهُمْ، وَأَمَرَ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ بِقِتَالِهِ- فَقَتَلُوهُ مَظْلُومًا- لَهُ وَلطَائِفَة مِن أَهْلِ بَيْتِهِ -﵃-.
وَكَانَ قَتْلُهُ -﵁- مِن الْمَصَائِبِ الْعَظِيمَةِ؛ فَإِنَّ قَتْلَ الْحُسَيْنِ وَقَتْلَ عُثْمَانَ قَبْلَة: كَانَا مِن أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْفِتَنِ فِي هَذِهِ الْأمَّةِ، وَقَتَلَتُهُمَا مِن شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ.
وَلَمَّا قَدِمَ أَهْلُهُم -﵃- عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوَيةَ أَكْرَمَهُم وَسَيَّرَهم إلَى الْمَدِينَةِ،
305
المجلد
العرض
34%
الصفحة
305
(تسللي: 299)