تقريب فتاوى ابن تيمية - المؤلف
وَقَد يُقَالُ: بَل الِاسْتِغْفَارُ بِدُونِ التَّوْبَةِ مُمْكِن وَاقِعٌ؛ فَإِنَّ هَذَا الِاسْتِغْفَارَ إذَا كَانَ مَعَ التَّوْبَةِ مِمَّا يُحْكَمُ بِهِ عَامٌّ فِي كُلِّ تَائِبٍ، وَإِن لَمْ يَكُن مَعَ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ فِي حَقِّ بَعْضِ الْمُسْتَغْفِرِينَ الَّذِينَ قَد يَحْصُلُ لَهُم عِنْدَ الِاسْتِغْفَارِ مِن الْخَشْيَةِ وَالْإِنَابَةِ مَا يَمْحُو الذُّنُوبَ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ بِأَنَّ قَوْلَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ ثَقُلَتْ بِتِلْكَ السَّيِّئَاتِ، لَمَّا قَالَهَا بِنَوْع مِن الصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ الَّذِي يَمْحُو السَّيِّئَاتِ، وَكَمَا غَفَرَ لِلْبَغِيِّ بِسَقْيِ الْكَلْبِ لِمَا حَصَلَ فِي قَلْبِها إذ ذَاكَ مِن الْإِيمَانِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وَقَالَ -ﷺ-: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إذَا اُجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ" (^١).
وَسُؤَالُهُم عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَقُولُوا: الْحَسَنَاتُ إنَّمَا تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ فَقَطْ، فَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا تُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ؛ كَمَا قَد جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: "مَا اُجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ".
فَيُجَابُ عَن هَذَا بِوُجُوه:
أَحَدُهَا: أَن هَذَا الشَّرْطَ جَاءَ فِي الْفَرَائِضِ؛ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]؛ فَالْفَرَائِضُ مَعَ تَرْكِ الْكَبَائِرِ مُقْتَضِيَةٌ لِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الزَّائِدَةُ مِن التَّطَوُّعَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا ثَوَابٌ آخَرُ؛ فَإنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].
_________
(^١) رواه مسلم (٢٣٣).
السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وَقَالَ -ﷺ-: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إذَا اُجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ" (^١).
وَسُؤَالُهُم عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَقُولُوا: الْحَسَنَاتُ إنَّمَا تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ فَقَطْ، فَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا تُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ؛ كَمَا قَد جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: "مَا اُجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ".
فَيُجَابُ عَن هَذَا بِوُجُوه:
أَحَدُهَا: أَن هَذَا الشَّرْطَ جَاءَ فِي الْفَرَائِضِ؛ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]؛ فَالْفَرَائِضُ مَعَ تَرْكِ الْكَبَائِرِ مُقْتَضِيَةٌ لِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الزَّائِدَةُ مِن التَّطَوُّعَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا ثَوَابٌ آخَرُ؛ فَإنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].
_________
(^١) رواه مسلم (٢٣٣).
586