الحواشي السابغات على أخصر المختصرات - المؤلف
ثمَّ الإفرادُ، وَهُوَ أن يُحرم بِحَجٍّ ثمَّ بِعُمْرَةٍ بعد فَرَاغه مِنْهُ (^١).
وَالقرَانُ أن يُحْرِم بهما مَعًا أو بهَا ثمَّ يدْخلُهُ عَلَيْهَا قبل الشُّرُوعِ فِي طوافِها (^٢).
_________
(^١) أي: بعد أن ينتهي من الحج يحرم بعمرة، اقتصر على هذا في التنقيح والمنتهى والغاية، وأما الإقناع فقيده بأنه يُحْرِمُ بعمرةٍ: (إن كانت باقية عليه) قال البهوتي: بأن لم يأت بها من قبل.
(تنبيه) الإفراد عندنا أفضل من القران؛ لأن صاحبه أتى بالحج كاملًا ثم أتى بالعمرة كاملة من أدنى الحل، عكس التمتع، لكن من لم يأت بالعمرة بعد الحج في الإفراد لا يكون أفضل من القارن؛ لأن القارن أتى بنسكين وهدي، والله أعلم.
(^٢) القران له ثلاث صور:
(الصورة الأولى) ما ذكره المصنف في قوله: أن يحرم بهما معًا، فيقول سرًا: لبيك حجًا وعمرة، أو: نويت حجًا وعمرة، أو: إني أريد حجًا وعمرة، هذا هو المذهب.
(الصورة الثانية) ما ذكره المصنف في قوله: أو بها، أي: يحرم بالعمرة أوّلًا، فيقول: لبيك عمرة مثلًا، ثم يدخله - أي: الحج - قبل الشروع في طوافها. أما بعد الشروع في طوافها فلا يصح إدخال الحج ما لم يكن معه هدي، فإن كان معه هدي فيصح أن يدخل الحج عليها ولو بعد السعي، ويصير بهذا قارنًا.
(تتمة) قالوا: لا يشترط لصحة إدخال الحج على العمرة أن يكون قد أحرم بالحج في أشهر الحج لصحة الإحرام به قبل أشهر الحج، وهذا بخلاف التمتع فيشترط لكي يكون متمتعًا أن يحرم بالعمرة والحج في أشهر الحج وفي نفس العام. (فرق فقهي)
(الصورة الثالثة) أن يحرم بالحج ثم يدخل عليه العمرة، وهذه الصورة لا تصح على المذهب؛ لأنه لا يستفيد منها شيئًا؛ لأننا لو صححنا القران لم تختلف أفعاله عن أفعال المفرد، أما الشيخ ابن عثيمين فيرى صحتها، ويقول: إنه يستفيد نسكًا آخر، أي: العمرة، فيرجع بحج وعمرة بخلاف من أحرم بالحج فقط.
(تتمة) يسن للمفرد والقارن فسخ نيتهما بالحج، وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة - سواء قبل طواف القدوم والسعي أو أثناءهما أو بعدهما -، فإذا حلا أحرما به ليصيرا متمتعين بشرطين: ١ - ألا يسوقا هديًا، ٢ - ألا يكونا وقفا بعرفة.
لكن هل يجوز أن يفسخ المفرد أو القارن الحج بعمرة ونيته ألا يحج ويذهب عن مكة؟ نقل شمس الدين ابن مفلح في الفروع، وابن النجار في شرحه للمنتهى، والبهوتي في الكشاف الخلاف في ذلك وهو: (فإن قيل: هل يصح وإن لم يعتقد فعل الحج من عامه؟ قيل: منعه ابن عقيل وغيره، نقل ابنُ منصور: لا بد أن يهل بالحج من عامه ليستفيد فضيلة التمتع، ولأنه على الفور فلا يؤخره لو لم يحرم به، فكيف وقد أحرم به. واختلف كلام القاضي: وقدم الصحة؛ لأنه بالفسخ حصل على صفة يصح منه التمتع، ولأن العمرة لا تصير حجًا، والحج يصير عمرة، كمن حصر عن عرفة، أو فاته الحج).
ونقل ابن جاسر هذا الخلاف ومال إلى كلام ابن عقيل، فلم يسوغ فسخ الحج إلى عمرة بدون حج بعده، وتعقب القاضي حيث قال: (قلت: وفيما قاله القاضي: نظر؛ لأنه إنما يحصل على صفة يصح منه التمتع إذا حج من عامه الذي فسخ فيه، أما إذا لم يحج عام الفسخ فإن الصفة المذكورة منتفية عنه، فالصحيح ما نقله ابن منصور من أنه لا بد أن يهل بالحج من عامه ليستفيد فضيلة التمتع، وإلا ينو إهلالًا بالحج من عامه، فإنه لا يسوغ له فسخ الحج، والله أعلم).
وكلام ابن عقيل وغيره يفهم منه: المنع لمن لم يحج حجة الإسلام؛ لقوله: (ولأنه على الفور، فلا يؤخره لو لم يحرم به، فكيف وقد أحرم به)، أما من حج حجة الإسلام وفسخ حجه إلى عمرة، فكأنه مسكوت عنه في كلام ابن عقيل.
وممن منع أيضًا فسخَ المفرد والقارن إلى عمرة بلا حج شيخُ الإسلام في شرحه للعمدة حيث قال: (وذلك لأنه إذا أهل بالحج أولًا، فإنما يفسخه إلى عمرة يتمتع بها إلى الحج. وإنما يجوز له فسخه إذا قصد التمتع، فيكون قد قصد الحج وحده، فيكون مدخلًا للعمرة في حجه، وفاعلًا للعمرة والحج، وهذا أكثر مما كان دخل فيه، ولو أراد أن يخرج من الحج بعمرة غير متمتع بها لم يجز ذلك).
قلت: إنما يفيد كلامُ شيخ الإسلام، وابن جاسر تحريمَ التحلل لا عدم صحته، فلو تحلل بالعمرة فقد يقال بصحة تحلله مع الإثم؛ لتركه الحج، والله أعلم.
أما على المذهب: فرأيت لهم كلامًا في باب الفوات والإحصار قد يدل على إباحة تحلل المفرد والقارن بعمرة، وإن لم ينو الحجَّ في نفس السنة، قال في المنتهى وشرحه: (ومَنْ صُدَّ عن عرفة) دون الحرم (في حج تحلل بعمرة مجانًا) أي: ولم يلزمه به دم؛ لأنه يباح مع غير الحصر، فمعه أولى)، وعبارته في الإقناع وشرحه: (وإن صد) المحرم (عن عرفة دون البيت) أي: الحرم (تحلل بـ) أفعال (عمرة ولا شيء عليه)؛ لأن قلب الحج إلى العمرة مباح بلا حصر فمعه أولى)، وذكر نحوه في المغني والشرح الكبير وغيرهما، وكلامهم هذا صريح في إباحة التحلل من الحج بالعمرة، ولم يستثنوا منه شيئًا.
ومما يؤيد عدمَ لزوم الحج: أن حج النافلة لا يلزم إلا بالشروع فيه، وهو لَمَّا فسخ حَجَّه إلى عمرة، لم يشرع في الحج، فكيف نؤثمه على ترك حج لم يشرع فيه؟
أما من أحرم بعمرة ناويًا التمتع بها إلى الحج، ثم لَمَّا تحلل منها عدل عن الحج في تلك السنة، فهذا لا شيء عليه، ولا ينبغي أن يختلف فيه؛ لأن إحرامه الأول لم يكن بحج بل بعمرة، فهو لم يفسخ حجًا، بخلاف من فسخ حج الإفراد أو القران إلى عمرة، والله أعلم.
(تنبيه) ما تقدم من المسائل مقيدة بما إذا لم يكن الحج الذي تركه - ولم يحرم به - فرضًا، وإلا أثم إن لم يحرم به؛ لوجوبه على الفور، والله أعلم.
ثم رأيت كلام ابن القيم - ﵀ - في تهذيب السنن يمنع حتى المتمتع من الرجوع بعد عمرته قال: (لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة، لم يجز عند أحد، إنما يجوز الفسخ لمن نيته أن يحج بعد متعته من عامه، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج، كما قال النبي ﷺ: (دخلت العمرة في الحج) فهذه المتعة التي فُسِخَ إليها هي جزء من الحج، ليست عمرةً مفردةً وهي من الحج بمنزلة الوضوء من غُسل الجنابة، فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال، وهذا لا يمنع أن تكون واحدة، كطواف الإفاضة، فإنه من تمام الحج، ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول، وكذلك رمي الجمار أيام منى من تمام الحج، وهو يُفعل بعد التحلل التام).
ونحوه الشيخ السعدي حيث قال: (فالارتباط إنما هو في وجوب الإتيان بالحج للمتمتع الذي لم يحج، أو الذي فسخ عمرته إلى الحج ..) الفتاوى السعدية ص ٢٦٣
وَالقرَانُ أن يُحْرِم بهما مَعًا أو بهَا ثمَّ يدْخلُهُ عَلَيْهَا قبل الشُّرُوعِ فِي طوافِها (^٢).
_________
(^١) أي: بعد أن ينتهي من الحج يحرم بعمرة، اقتصر على هذا في التنقيح والمنتهى والغاية، وأما الإقناع فقيده بأنه يُحْرِمُ بعمرةٍ: (إن كانت باقية عليه) قال البهوتي: بأن لم يأت بها من قبل.
(تنبيه) الإفراد عندنا أفضل من القران؛ لأن صاحبه أتى بالحج كاملًا ثم أتى بالعمرة كاملة من أدنى الحل، عكس التمتع، لكن من لم يأت بالعمرة بعد الحج في الإفراد لا يكون أفضل من القارن؛ لأن القارن أتى بنسكين وهدي، والله أعلم.
(^٢) القران له ثلاث صور:
(الصورة الأولى) ما ذكره المصنف في قوله: أن يحرم بهما معًا، فيقول سرًا: لبيك حجًا وعمرة، أو: نويت حجًا وعمرة، أو: إني أريد حجًا وعمرة، هذا هو المذهب.
(الصورة الثانية) ما ذكره المصنف في قوله: أو بها، أي: يحرم بالعمرة أوّلًا، فيقول: لبيك عمرة مثلًا، ثم يدخله - أي: الحج - قبل الشروع في طوافها. أما بعد الشروع في طوافها فلا يصح إدخال الحج ما لم يكن معه هدي، فإن كان معه هدي فيصح أن يدخل الحج عليها ولو بعد السعي، ويصير بهذا قارنًا.
(تتمة) قالوا: لا يشترط لصحة إدخال الحج على العمرة أن يكون قد أحرم بالحج في أشهر الحج لصحة الإحرام به قبل أشهر الحج، وهذا بخلاف التمتع فيشترط لكي يكون متمتعًا أن يحرم بالعمرة والحج في أشهر الحج وفي نفس العام. (فرق فقهي)
(الصورة الثالثة) أن يحرم بالحج ثم يدخل عليه العمرة، وهذه الصورة لا تصح على المذهب؛ لأنه لا يستفيد منها شيئًا؛ لأننا لو صححنا القران لم تختلف أفعاله عن أفعال المفرد، أما الشيخ ابن عثيمين فيرى صحتها، ويقول: إنه يستفيد نسكًا آخر، أي: العمرة، فيرجع بحج وعمرة بخلاف من أحرم بالحج فقط.
(تتمة) يسن للمفرد والقارن فسخ نيتهما بالحج، وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة - سواء قبل طواف القدوم والسعي أو أثناءهما أو بعدهما -، فإذا حلا أحرما به ليصيرا متمتعين بشرطين: ١ - ألا يسوقا هديًا، ٢ - ألا يكونا وقفا بعرفة.
لكن هل يجوز أن يفسخ المفرد أو القارن الحج بعمرة ونيته ألا يحج ويذهب عن مكة؟ نقل شمس الدين ابن مفلح في الفروع، وابن النجار في شرحه للمنتهى، والبهوتي في الكشاف الخلاف في ذلك وهو: (فإن قيل: هل يصح وإن لم يعتقد فعل الحج من عامه؟ قيل: منعه ابن عقيل وغيره، نقل ابنُ منصور: لا بد أن يهل بالحج من عامه ليستفيد فضيلة التمتع، ولأنه على الفور فلا يؤخره لو لم يحرم به، فكيف وقد أحرم به. واختلف كلام القاضي: وقدم الصحة؛ لأنه بالفسخ حصل على صفة يصح منه التمتع، ولأن العمرة لا تصير حجًا، والحج يصير عمرة، كمن حصر عن عرفة، أو فاته الحج).
ونقل ابن جاسر هذا الخلاف ومال إلى كلام ابن عقيل، فلم يسوغ فسخ الحج إلى عمرة بدون حج بعده، وتعقب القاضي حيث قال: (قلت: وفيما قاله القاضي: نظر؛ لأنه إنما يحصل على صفة يصح منه التمتع إذا حج من عامه الذي فسخ فيه، أما إذا لم يحج عام الفسخ فإن الصفة المذكورة منتفية عنه، فالصحيح ما نقله ابن منصور من أنه لا بد أن يهل بالحج من عامه ليستفيد فضيلة التمتع، وإلا ينو إهلالًا بالحج من عامه، فإنه لا يسوغ له فسخ الحج، والله أعلم).
وكلام ابن عقيل وغيره يفهم منه: المنع لمن لم يحج حجة الإسلام؛ لقوله: (ولأنه على الفور، فلا يؤخره لو لم يحرم به، فكيف وقد أحرم به)، أما من حج حجة الإسلام وفسخ حجه إلى عمرة، فكأنه مسكوت عنه في كلام ابن عقيل.
وممن منع أيضًا فسخَ المفرد والقارن إلى عمرة بلا حج شيخُ الإسلام في شرحه للعمدة حيث قال: (وذلك لأنه إذا أهل بالحج أولًا، فإنما يفسخه إلى عمرة يتمتع بها إلى الحج. وإنما يجوز له فسخه إذا قصد التمتع، فيكون قد قصد الحج وحده، فيكون مدخلًا للعمرة في حجه، وفاعلًا للعمرة والحج، وهذا أكثر مما كان دخل فيه، ولو أراد أن يخرج من الحج بعمرة غير متمتع بها لم يجز ذلك).
قلت: إنما يفيد كلامُ شيخ الإسلام، وابن جاسر تحريمَ التحلل لا عدم صحته، فلو تحلل بالعمرة فقد يقال بصحة تحلله مع الإثم؛ لتركه الحج، والله أعلم.
أما على المذهب: فرأيت لهم كلامًا في باب الفوات والإحصار قد يدل على إباحة تحلل المفرد والقارن بعمرة، وإن لم ينو الحجَّ في نفس السنة، قال في المنتهى وشرحه: (ومَنْ صُدَّ عن عرفة) دون الحرم (في حج تحلل بعمرة مجانًا) أي: ولم يلزمه به دم؛ لأنه يباح مع غير الحصر، فمعه أولى)، وعبارته في الإقناع وشرحه: (وإن صد) المحرم (عن عرفة دون البيت) أي: الحرم (تحلل بـ) أفعال (عمرة ولا شيء عليه)؛ لأن قلب الحج إلى العمرة مباح بلا حصر فمعه أولى)، وذكر نحوه في المغني والشرح الكبير وغيرهما، وكلامهم هذا صريح في إباحة التحلل من الحج بالعمرة، ولم يستثنوا منه شيئًا.
ومما يؤيد عدمَ لزوم الحج: أن حج النافلة لا يلزم إلا بالشروع فيه، وهو لَمَّا فسخ حَجَّه إلى عمرة، لم يشرع في الحج، فكيف نؤثمه على ترك حج لم يشرع فيه؟
أما من أحرم بعمرة ناويًا التمتع بها إلى الحج، ثم لَمَّا تحلل منها عدل عن الحج في تلك السنة، فهذا لا شيء عليه، ولا ينبغي أن يختلف فيه؛ لأن إحرامه الأول لم يكن بحج بل بعمرة، فهو لم يفسخ حجًا، بخلاف من فسخ حج الإفراد أو القران إلى عمرة، والله أعلم.
(تنبيه) ما تقدم من المسائل مقيدة بما إذا لم يكن الحج الذي تركه - ولم يحرم به - فرضًا، وإلا أثم إن لم يحرم به؛ لوجوبه على الفور، والله أعلم.
ثم رأيت كلام ابن القيم - ﵀ - في تهذيب السنن يمنع حتى المتمتع من الرجوع بعد عمرته قال: (لو أراد أن يفسخ الحج إلى عمرة مفردة، لم يجز عند أحد، إنما يجوز الفسخ لمن نيته أن يحج بعد متعته من عامه، والمتمتع من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج، كما قال النبي ﷺ: (دخلت العمرة في الحج) فهذه المتعة التي فُسِخَ إليها هي جزء من الحج، ليست عمرةً مفردةً وهي من الحج بمنزلة الوضوء من غُسل الجنابة، فهي عبادة واحدة قد تخللها الرخصة بالإحلال، وهذا لا يمنع أن تكون واحدة، كطواف الإفاضة، فإنه من تمام الحج، ولا يفعل إلا بعد التحلل الأول، وكذلك رمي الجمار أيام منى من تمام الحج، وهو يُفعل بعد التحلل التام).
ونحوه الشيخ السعدي حيث قال: (فالارتباط إنما هو في وجوب الإتيان بالحج للمتمتع الذي لم يحج، أو الذي فسخ عمرته إلى الحج ..) الفتاوى السعدية ص ٢٦٣
261