مختصر منهاج السنة - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
عِنْدَ مَنْ يَحْضُنُهُ فِي بَدَنِهِ، كَأُمِّهِ، وَأُمِّ أُمِّهِ، وَنَحْوِهِمَا مَنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَالُهُ عِنْدَ مَنْ يَحْفَظُهُ: إِمَّا وَصِيُّ أَبِيهِ إِنْ كَانَ لَهُ وَصِيٌّ، وَإِمَّا غَيْرُ الْوَصِيِّ: إِمَّا قَرِيبٌ، وَإِمَّا نَائِبٌ لَدَى السُّلْطَانِ، فَإِنَّهُ يَتِيمٌ لِمَوْتِ أَبِيهِ.
وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُم رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِم أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (١) . فَهَذَا لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُ مَالِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يبلغ النِّكَاحَ وَيُؤْنَسَ مِنْهُ الرُّشْدُ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ
تَعَالَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِي بَدَنِهِ وَمَالِهِ إِمَامًا لجميع المسلمين معصوما، لا يكون أحدا مُؤْمِنًا إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِهِ؟!
ثُمَّ إِنَّ هَذَا بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ: سَوَاءٌ قُدِّر وُجُودُهُ أَوْ عَدَمُهُ، لا ينتفعون بِهِ لَا فِي دِينٍ وَلَا فِي دُنْيَا، وَلَا علَّمَ أَحدًا شَيْئًا، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْخَيْرِ وَلَا الشَّرِّ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِمَامَةِ وَلَا مَصَالِحِهَا، لَا الْخَاصَّةُ وَلَا الْعَامَّةُ، بَلْ إِنْ قدِّر وَجُودُهُ فَهُوَ ضَرَرٌ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بِلَا نَفْعٍ أَصْلًا، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، وَلَا حَصَلَ لَهُمْ بِهِ لُطْفٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ، والمكذِّبون بِهِ يعذَّبون عِنْدَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ به، فهو شر محض لا خَيْرَ فِيهِ، وَخَلْقُ مِثْلِ هَذَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْحَكِيمِ الْعَادِلِ.
وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ احْتَجَبَ عَنْهُمْ.
قِيلَ: أَوَّلًا: كَانَ الظُّلْمُ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ آبَائِهِ وَلَمْ يَحْتَجِبُوا.
وَقِيلَ: ثَانِيًا: فَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ طبَّقوا الْأَرْضَ فهلاَّ اجْتَمَعَ بِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا يعلِّمهم شَيْئًا مِنِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ؟!
وَقِيلَ: ثَالِثًا: قَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْوِيَ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا شِيعَتُهُ، كَجِبَالِ الشَّامِ الَّتِي كَانَ فِيهَا الرَّافِضَةُ عَاصِيَةً، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْعَاصِيَةِ.
وَقِيلَ: رَابِعًا: فإذا كان هُوَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مِنِ العلم والدين لِأَحَدٍ، لِأَجْلِ هَذَا الْخَوْفِ، لَمْ يَكُنْ فِي وُجُودِهِ لُطْفٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ، فَكَانَ هَذَا مُنَاقِضًا لِمَا أَثْبَتُوهُ. بِخِلَافِ مَنْ أُرْسِلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وكُذِّب، فَإِنَّهُ بلَّغ الرِّسَالَةَ، وَحَصَلَ لِمَنْ آمَنَ به مِنَ اللُّطْفِ وَالْمَصْلَحَةِ مَا هُوَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَهَذَا المنتَظَر لَمْ يَحْصُلْ بِهِ لِطَائِفَتِهِ إِلَّا الِانْتِظَارُ لِمَنْ لَا يَأْتِي، وَدَوَامُ الحسرة
_________
(١) الآية ٦ من سورة النساء.
وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُم رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِم أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (١) . فَهَذَا لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُ مَالِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يبلغ النِّكَاحَ وَيُؤْنَسَ مِنْهُ الرُّشْدُ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ
تَعَالَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِي بَدَنِهِ وَمَالِهِ إِمَامًا لجميع المسلمين معصوما، لا يكون أحدا مُؤْمِنًا إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِهِ؟!
ثُمَّ إِنَّ هَذَا بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ: سَوَاءٌ قُدِّر وُجُودُهُ أَوْ عَدَمُهُ، لا ينتفعون بِهِ لَا فِي دِينٍ وَلَا فِي دُنْيَا، وَلَا علَّمَ أَحدًا شَيْئًا، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْخَيْرِ وَلَا الشَّرِّ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِمَامَةِ وَلَا مَصَالِحِهَا، لَا الْخَاصَّةُ وَلَا الْعَامَّةُ، بَلْ إِنْ قدِّر وَجُودُهُ فَهُوَ ضَرَرٌ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بِلَا نَفْعٍ أَصْلًا، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، وَلَا حَصَلَ لَهُمْ بِهِ لُطْفٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ، والمكذِّبون بِهِ يعذَّبون عِنْدَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ به، فهو شر محض لا خَيْرَ فِيهِ، وَخَلْقُ مِثْلِ هَذَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْحَكِيمِ الْعَادِلِ.
وَإِذَا قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ احْتَجَبَ عَنْهُمْ.
قِيلَ: أَوَّلًا: كَانَ الظُّلْمُ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ آبَائِهِ وَلَمْ يَحْتَجِبُوا.
وَقِيلَ: ثَانِيًا: فَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ طبَّقوا الْأَرْضَ فهلاَّ اجْتَمَعَ بِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا يعلِّمهم شَيْئًا مِنِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ؟!
وَقِيلَ: ثَالِثًا: قَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْوِيَ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا شِيعَتُهُ، كَجِبَالِ الشَّامِ الَّتِي كَانَ فِيهَا الرَّافِضَةُ عَاصِيَةً، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْعَاصِيَةِ.
وَقِيلَ: رَابِعًا: فإذا كان هُوَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مِنِ العلم والدين لِأَحَدٍ، لِأَجْلِ هَذَا الْخَوْفِ، لَمْ يَكُنْ فِي وُجُودِهِ لُطْفٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ، فَكَانَ هَذَا مُنَاقِضًا لِمَا أَثْبَتُوهُ. بِخِلَافِ مَنْ أُرْسِلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وكُذِّب، فَإِنَّهُ بلَّغ الرِّسَالَةَ، وَحَصَلَ لِمَنْ آمَنَ به مِنَ اللُّطْفِ وَالْمَصْلَحَةِ مَا هُوَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَهَذَا المنتَظَر لَمْ يَحْصُلْ بِهِ لِطَائِفَتِهِ إِلَّا الِانْتِظَارُ لِمَنْ لَا يَأْتِي، وَدَوَامُ الحسرة
_________
(١) الآية ٦ من سورة النساء.
152