مختصر منهاج السنة - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ «١) فَذَكَرَ إِنْزَالَ السَّكِينَةِ عَلَى الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَوَلِّيَتَهُمْ مُدْبِرِينَ.
وَقَدْ ذَكَرَ إِنْزَالَ السَّكِينَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَيْسَ مَعَهُمُ الرَّسُولُ فِي قوله: ﴿«إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ «٢) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «٣) الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: ﴿(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ (﴾ (٤) .
وَيُقَالُ: ثَانِيًا: النَّاسُ قَدْ تَنَازَعُوا فِي عَوْد الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ «٥) . فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَائِدٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَائِدٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْمَذْكُورِينَ، وَلِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى إِنْزَالِ السَّكِينَةِ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِ، كَمَا أَنْزَلَهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الذين بايعوه تحت الشجرة.
وَالنَّبِيُّ - ﷺ - كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ لِكَمَالِ طُمَأْنِينَتِهِ، بِخِلَافِ إِنْزَالِهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَإِنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا لِانْهِزَامِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ، وَإِقْبَالِ الْعَدُوِّ نَحْوَهُ، وَسَوْقِهِ ببغلته إلى العدو.
وعلى القول الأول فيكون الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، كَمَا عَادَ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿(وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا (﴾ (٦) . وَلِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ كَانَ فِي ذِكْرِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ صَاحِبِهِ ضِمْنًا وَتَبَعًا.
لَكِنْ يُقَالُ: عَلَى هَذَا لَمَّا قَالَ لِصَاحِبِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - هُوَ الْمَتْبُوعُ الْمُطَاعُ، وَأَبُو بَكْرٍ تَابِعٌ مُطِيعٌ، وَهُوَ صَاحِبُهُ، وَاللَّهُ مَعَهُمَا، فَإِذَا حَصَلَ لِلْمَتْبُوعِ فِي هَذِهِ الْحَالِ سَكِينَةٌ وَتَأْيِيدٌ، كَانَ ذَلِكَ لِلتَّابِعِ أَيْضًا بِحُكْمِ الْحَالِ، فَإِنَّهُ صَاحِبٌ تَابِعٌ لَازِمٌ، وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُذْكَرَ هَنَا أَبُو بَكْرٍ لِكَمَالِ الْمُلَازِمَةِ وَالْمُصَاحِبَةِ، الَّتِي تُوجِبُ مُشَارَكَةَ النَّبِيِّ - ﷺ - في التأييد.
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ: «وَأَمَّا قَوْلُهُ: (﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ (٧)، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَبُو الدَّحْدَاحِ حَيْثُ اشْتَرَى نَخْلَةً لِشَخْصٍ لِأَجْلِ جَارِهِ، وَقَدْ عَرَضَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى صَاحِبِ النَّخْلَةِ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعَ أَبُو الدَّحْدَاحِ، فَاشْتَرَاهَا ببستان له ووهبها له الجار، فجعل النبي -
_________
(١) الآيتان ٢٥، ٢٦ من سورة التوبة.
(٢) الآية ١ من سورة الفتح.
(٣) الآية ٤ من سورة الفتح.
(٤) الآية ١٨ من سورة الفتح.
(٥) الآية ٤٠ من سورة التوبة.
(٦) الآية٤٠ من سورة التوبة.
(٧) الآية ١٧ من سورة الليل.
وَقَدْ ذَكَرَ إِنْزَالَ السَّكِينَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَيْسَ مَعَهُمُ الرَّسُولُ فِي قوله: ﴿«إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ «٢) إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ «٣) الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: ﴿(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ (﴾ (٤) .
وَيُقَالُ: ثَانِيًا: النَّاسُ قَدْ تَنَازَعُوا فِي عَوْد الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ «٥) . فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَائِدٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَائِدٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْمَذْكُورِينَ، وَلِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى إِنْزَالِ السَّكِينَةِ، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِ، كَمَا أَنْزَلَهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الذين بايعوه تحت الشجرة.
وَالنَّبِيُّ - ﷺ - كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ لِكَمَالِ طُمَأْنِينَتِهِ، بِخِلَافِ إِنْزَالِهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَإِنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا لِانْهِزَامِ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ، وَإِقْبَالِ الْعَدُوِّ نَحْوَهُ، وَسَوْقِهِ ببغلته إلى العدو.
وعلى القول الأول فيكون الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، كَمَا عَادَ الضَّمِيرُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿(وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا (﴾ (٦) . وَلِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ كَانَ فِي ذِكْرِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ صَاحِبِهِ ضِمْنًا وَتَبَعًا.
لَكِنْ يُقَالُ: عَلَى هَذَا لَمَّا قَالَ لِصَاحِبِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - هُوَ الْمَتْبُوعُ الْمُطَاعُ، وَأَبُو بَكْرٍ تَابِعٌ مُطِيعٌ، وَهُوَ صَاحِبُهُ، وَاللَّهُ مَعَهُمَا، فَإِذَا حَصَلَ لِلْمَتْبُوعِ فِي هَذِهِ الْحَالِ سَكِينَةٌ وَتَأْيِيدٌ، كَانَ ذَلِكَ لِلتَّابِعِ أَيْضًا بِحُكْمِ الْحَالِ، فَإِنَّهُ صَاحِبٌ تَابِعٌ لَازِمٌ، وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُذْكَرَ هَنَا أَبُو بَكْرٍ لِكَمَالِ الْمُلَازِمَةِ وَالْمُصَاحِبَةِ، الَّتِي تُوجِبُ مُشَارَكَةَ النَّبِيِّ - ﷺ - في التأييد.
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ: «وَأَمَّا قَوْلُهُ: (﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ (٧)، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَبُو الدَّحْدَاحِ حَيْثُ اشْتَرَى نَخْلَةً لِشَخْصٍ لِأَجْلِ جَارِهِ، وَقَدْ عَرَضَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى صَاحِبِ النَّخْلَةِ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعَ أَبُو الدَّحْدَاحِ، فَاشْتَرَاهَا ببستان له ووهبها له الجار، فجعل النبي -
_________
(١) الآيتان ٢٥، ٢٦ من سورة التوبة.
(٢) الآية ١ من سورة الفتح.
(٣) الآية ٤ من سورة الفتح.
(٤) الآية ١٨ من سورة الفتح.
(٥) الآية ٤٠ من سورة التوبة.
(٦) الآية٤٠ من سورة التوبة.
(٧) الآية ١٧ من سورة الليل.
523