مختصر منهاج السنة - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ: «وَلَمْ يَحُدَّ قُدَامَةَ فِي الْخَمْرِ، لِأَنَّهُ تَلَا عَلَيْهِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ (١)
الْآيَةَ. فَقَالَ لَهُ عليٌّ: لَيْسَ قُدَامَةُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ يَحُدُّهُ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: حِدَّهُ ثَمَانِينَ. إِنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ إِذَا شَرِبَهَا سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى» .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْبَيِّنِ الظَّاهِرُ عَلَى عُمَرَ ﵁؛ فَإِنَّ عِلْمَ ابْنِ الْخَطَّابِ بِالْحُكْمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَبْيَن مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ، فَإِنَّهُ قَدْ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ غَيْرَ مَرَّةٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ قَبْلَهُ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ فِيهَا تَارَةً أَرْبَعِينَ وَتَارَةً ثَمَانِينَ، وكان عمر أحيانا يعزِّز فِيهَا بِحَلْقِ الرَّأْسِ وَالنَّفْيِ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ فِيهَا تارة بالجريد، وتارة بالنعال والأيدي وأطراف الثياب.
وَأَمَّا قِصَّةُ قُدَامَةَ، فَقَدْ رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الجوزجاني وغيره عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢) وَإِنِّي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأوَّلين مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ. فَقَالَ عُمَرُ: أَجِيبُوا الرَّجُلَ. فَسَكَتُوا عَنْهُ. فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَجِبْهُ. فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عُذْرًا لِلْمَاضِينَ لِمَنْ شَرِبَهَا قَبْلَ أَنْ تُحَرَّم، وَأَنْزَلَ: ﴿إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٣) حُجَّةً عَلَى النَّاسِ. ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ عَنِ الْحَدِّ فِيهَا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا شَرِبَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَاجْلِدْهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ» فَفِيهِ أَنَّ علياّ أشار بثمانين، وَفِيهِ نَظَرٌ.
فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَلِيًّا جَلَد أَرْبَعِينَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، لَمَّا جَلَدَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، وَأَنَّهُ أَضَافَ الثَمَانِينَ إِلَى عُمَرَ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَشَارَ بِالثَمَانِينَ، فلم يكن جلد الثمانين مما استفاد عُمَرُ مِنْ عَلِيٍّ. وَعَلِيٌّ قَدْ نُقل عَنْهُ أَنَّهُ جَلَدَ فِي خِلَافَتِهِ ثَمَانِينَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْلِدُ تَارَةً أَرْبَعِينَ وَتَارَةً ثَمَانِينَ. ورُوى عن عليّ أنه قال: ما
_________
(١) الآية ٩٣ من سورة المائدة.
(٢) الآية ٩٣ من سورة المائدة.
(٣) الآية ٩٠ من سورة المائدة.
قَالَ الرَّافِضِيُّ: «وَلَمْ يَحُدَّ قُدَامَةَ فِي الْخَمْرِ، لِأَنَّهُ تَلَا عَلَيْهِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ (١)
الْآيَةَ. فَقَالَ لَهُ عليٌّ: لَيْسَ قُدَامَةُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ يَحُدُّهُ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: حِدَّهُ ثَمَانِينَ. إِنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ إِذَا شَرِبَهَا سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى» .
وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ الْبَيِّنِ الظَّاهِرُ عَلَى عُمَرَ ﵁؛ فَإِنَّ عِلْمَ ابْنِ الْخَطَّابِ بِالْحُكْمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَبْيَن مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ، فَإِنَّهُ قَدْ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ غَيْرَ مَرَّةٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ قَبْلَهُ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ فِيهَا تَارَةً أَرْبَعِينَ وَتَارَةً ثَمَانِينَ، وكان عمر أحيانا يعزِّز فِيهَا بِحَلْقِ الرَّأْسِ وَالنَّفْيِ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ فِيهَا تارة بالجريد، وتارة بالنعال والأيدي وأطراف الثياب.
وَأَمَّا قِصَّةُ قُدَامَةَ، فَقَدْ رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الجوزجاني وغيره عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢) وَإِنِّي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الأوَّلين مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ. فَقَالَ عُمَرُ: أَجِيبُوا الرَّجُلَ. فَسَكَتُوا عَنْهُ. فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَجِبْهُ. فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عُذْرًا لِلْمَاضِينَ لِمَنْ شَرِبَهَا قَبْلَ أَنْ تُحَرَّم، وَأَنْزَلَ: ﴿إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٣) حُجَّةً عَلَى النَّاسِ. ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ عَنِ الْحَدِّ فِيهَا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا شَرِبَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَاجْلِدْهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ» فَفِيهِ أَنَّ علياّ أشار بثمانين، وَفِيهِ نَظَرٌ.
فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَلِيًّا جَلَد أَرْبَعِينَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، لَمَّا جَلَدَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، وَأَنَّهُ أَضَافَ الثَمَانِينَ إِلَى عُمَرَ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَشَارَ بِالثَمَانِينَ، فلم يكن جلد الثمانين مما استفاد عُمَرُ مِنْ عَلِيٍّ. وَعَلِيٌّ قَدْ نُقل عَنْهُ أَنَّهُ جَلَدَ فِي خِلَافَتِهِ ثَمَانِينَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْلِدُ تَارَةً أَرْبَعِينَ وَتَارَةً ثَمَانِينَ. ورُوى عن عليّ أنه قال: ما
_________
(١) الآية ٩٣ من سورة المائدة.
(٢) الآية ٩٣ من سورة المائدة.
(٣) الآية ٩٠ من سورة المائدة.
281