مختصر منهاج السنة - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
فَضْلًا عَنْ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْعِصْمَةِ وَالْإِمَامَةِ.
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ فَذَاكَ مَقَامٌ آخَرُ.
ثُمَّ نَقُولُ فِي الْمَقَامِ الثَّانِي: هَبْ أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى طَهَارَتِهِمْ وَإِذْهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ، كَمَا أَنَّ الدُّعَاءَ الْمُسْتَجَابَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَحَقَّقَ مَعَهُ طَهَارَةُ الْمَدْعُوِّ لَهُمْ وَإِذْهَابُ الرِّجْسِ عَنْهُمْ، لَكِنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعِصْمَةِ مِنَ الْخَطَأِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ لم يرد بِهِ أَزْوَاجَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ لَا يَصْدُرَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خطأٌ، فَإِنَّ الْخَطَأَ مَغْفُورٌ لَهُنَّ وَلِغَيْرِهِنَّ. وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُرِيدُ لِيُذْهِبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ - الَّذِي هُوَ الْخُبْثُ كَالْفَوَاحِشِ - وَيُطَهِّرَهُمْ تَطْهِيرًا مِنَ الْفَوَاحِشِ وغيرها من الذنوب.
وَلَفْظُ «الرِّجْسِ» عَامٌّ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يُذْهِبَ جَمِيعَ الرِّجْسِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دعا بذلك.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالتَّطْهِيرُ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ، وَالَّذِي دَعَا بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - لَيْسَ هُوَ الْعِصْمَةُ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ عِنْدَهُمْ لا معصوم إلا النبي - ﷺ -. وَالشِّيعَةُ يَقُولُونَ: لَا مَعْصُومَ غَيْرُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالْإِمَامِ. فَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى انْتِفَاءِ الْعِصْمَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَالْإِمَامِ عَنْ أَزْوَاجِهِ وَبَنَاتِهِ وغيرهن من النساء.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ التَّطْهِيرُ الْمَدْعُوُّ بِهِ لِلْأَرْبَعَةٍ مُتَضَمِّنًا لِلْعِصْمَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَالْإِمَامُ عِنْدَهُمْ، فَلَا يَكُونُ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - لَهُ بِهَذِهِ الْعِصْمَةِ: لَا لعليّ ولا لغيره، فإنه دعا له بِالطَّهَارَةِ لِأَرْبَعَةٍ مُشْتَرِكِينَ لَمْ يَخْتَصَّ بَعْضَهُمْ بِدَعْوَةٍ.
أما قَوْلُهُ: «إِنَّ عَلِيًّا ادَّعَاهَا وَقَدْ ثَبَتَ نَفْيُ الرِّجْسِ عَنْهُ فَيَكُونُ صَادِقًا» .
فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَلِيًّا ادَّعَاهَا، بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ عِلْمًا مُتَيَقِّنًا أَنَّ عَلِيًّا مَا ادَّعَاهَا قَطُّ حَتَّى قُتل عُثْمَانُ، وإن كَانَ قَدْ يَمِيلُ بِقَلْبِهِ إِلَى أَنْ يُوَلَّى، لَكِنْ مَا قَالَ: إِنِّي أَنَا الْإِمَامُ، وَلَا إِنَّى مَعْصُومٌ، وَلَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - جَعَلَنِي الْإِمَامَ بَعْدَهُ، وَلَا أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى النَّاسِ مُتَابَعَتِي، وَلَا نَحْوَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ.
بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ من نقل هذا ونحوه فَهُوَ كَاذِبٌ عَلَيْهِ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يدَّعي الْكَذِبَ الظَّاهِرَ، الَّذِي تَعْلَمُ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ أَنَّهُ كَذِبٌ.
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ فَذَاكَ مَقَامٌ آخَرُ.
ثُمَّ نَقُولُ فِي الْمَقَامِ الثَّانِي: هَبْ أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى طَهَارَتِهِمْ وَإِذْهَابِ الرِّجْسِ عَنْهُمْ، كَمَا أَنَّ الدُّعَاءَ الْمُسْتَجَابَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَحَقَّقَ مَعَهُ طَهَارَةُ الْمَدْعُوِّ لَهُمْ وَإِذْهَابُ الرِّجْسِ عَنْهُمْ، لَكِنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعِصْمَةِ مِنَ الْخَطَأِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ لم يرد بِهِ أَزْوَاجَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ لَا يَصْدُرَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خطأٌ، فَإِنَّ الْخَطَأَ مَغْفُورٌ لَهُنَّ وَلِغَيْرِهِنَّ. وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُرِيدُ لِيُذْهِبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ - الَّذِي هُوَ الْخُبْثُ كَالْفَوَاحِشِ - وَيُطَهِّرَهُمْ تَطْهِيرًا مِنَ الْفَوَاحِشِ وغيرها من الذنوب.
وَلَفْظُ «الرِّجْسِ» عَامٌّ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يُذْهِبَ جَمِيعَ الرِّجْسِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دعا بذلك.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالتَّطْهِيرُ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ، وَالَّذِي دَعَا بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - لَيْسَ هُوَ الْعِصْمَةُ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ عِنْدَهُمْ لا معصوم إلا النبي - ﷺ -. وَالشِّيعَةُ يَقُولُونَ: لَا مَعْصُومَ غَيْرُ النَّبِيِّ - ﷺ - وَالْإِمَامِ. فَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى انْتِفَاءِ الْعِصْمَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَالْإِمَامِ عَنْ أَزْوَاجِهِ وَبَنَاتِهِ وغيرهن من النساء.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ التَّطْهِيرُ الْمَدْعُوُّ بِهِ لِلْأَرْبَعَةٍ مُتَضَمِّنًا لِلْعِصْمَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَالْإِمَامُ عِنْدَهُمْ، فَلَا يَكُونُ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - لَهُ بِهَذِهِ الْعِصْمَةِ: لَا لعليّ ولا لغيره، فإنه دعا له بِالطَّهَارَةِ لِأَرْبَعَةٍ مُشْتَرِكِينَ لَمْ يَخْتَصَّ بَعْضَهُمْ بِدَعْوَةٍ.
أما قَوْلُهُ: «إِنَّ عَلِيًّا ادَّعَاهَا وَقَدْ ثَبَتَ نَفْيُ الرِّجْسِ عَنْهُ فَيَكُونُ صَادِقًا» .
فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَلِيًّا ادَّعَاهَا، بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ عِلْمًا مُتَيَقِّنًا أَنَّ عَلِيًّا مَا ادَّعَاهَا قَطُّ حَتَّى قُتل عُثْمَانُ، وإن كَانَ قَدْ يَمِيلُ بِقَلْبِهِ إِلَى أَنْ يُوَلَّى، لَكِنْ مَا قَالَ: إِنِّي أَنَا الْإِمَامُ، وَلَا إِنَّى مَعْصُومٌ، وَلَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - جَعَلَنِي الْإِمَامَ بَعْدَهُ، وَلَا أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى النَّاسِ مُتَابَعَتِي، وَلَا نَحْوَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ.
بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ من نقل هذا ونحوه فَهُوَ كَاذِبٌ عَلَيْهِ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يدَّعي الْكَذِبَ الظَّاهِرَ، الَّذِي تَعْلَمُ الصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ أَنَّهُ كَذِبٌ.
376