اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

مختصر منهاج السنة

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
مختصر منهاج السنة - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقال: قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ مِنَ الْأَكَاذِيبِ الْعِظَامِ الَّتِي لَا تَنْفُقُ إِلَّا على من لا يَعْرِفِ الْإِسْلَامَ، وَكَأَنَّهُ يُخَاطِبُ بِهَذِهِ الْخُرَافَاتِ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا جَرَى فِي الْغَزَوَاتِ.
كَقَوْلِهِ: «إِنَّ عَلِيًّا قَتَلَ أَكْثَرَ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ، وَكَانَ الْفَتْحُ فِيهَا عَلَى يَدِهِ» .
فَيُقَالُ: آفَةُ الْكَذِبِ الْجَهْلُ. وَهَلْ كَانَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ فَتْحٌ؟ بَلْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ هَزَمُوا الْعَدُوَّ أَوَّلًا، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَدْ وكَّل بِثُغْرَةِ الْجَبَلِ الرُّمَاةَ، وَأَمَرَهُمْ بِحِفْظِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَأَنْ لَا يَأْتُوهُمْ سَوَاءٌ غَلَبُوا أَوْ غُلبوا. فَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ صَاحَ بَعْضُهُمْ: أَيْ قَوْمِ الْغَنِيمَةَ! فَنَهَاهُمْ أَمِيرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَرَجَعَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ، وَأَمِيرُ المشركين إِذْ ذَاكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَأَتَاهُمْ مِنْ ظُهُورِهِمْ، فَصَاحَ الشَّيْطَانُ: قُتل مُحَمَّدٌ. وَاسْتُشْهِدَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ سَبْعِينَ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.
وَأَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ. وَكَانَ يَوْمَ بَلَاءٍ وَفِتْنَةٍ وَتَمْحِيصٍ، وَانْصَرَفَ الْعَدُوُّ عَنْهُمْ مُنْتَصِرًا، حَتَّى هَمَّ بالعَوْد إِلَيْهِمْ، فَنَدَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْمُسْلِمِينَ لِلِحَاقِهِ.
وَقِيلَ إِنَّ فِي هَؤُلَاءِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ (١) وَكَانَ فِي هَؤُلَاءِ المنتَدبين: أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ. قَالَتْ عَائِشَةُ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: أَبُوكَ وجدُّك مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، وَلَمْ يُقْتَلْ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا نفرٌ قَلِيلٌ، وَقَصَدَ الْعَدُوُّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَاجْتَهَدُوا فِي قَتْلِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ ذبَّ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، وَجَعَلَ يَرْمِي عَنْهُ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ لَهُ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ. وَكَانَ سَعْدٌ مُجَابَ الدَّعْوَةِ مُسَدَّدَ الرَّمْيَةِ.
وَكَانَ فِيهِمْ أَبُو طَلْحَةَ رَامِيًا، وَكَانَ شَدِيدَ النَّزْعِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: وَقَى النَّبِيَّ - ﷺ - بِيَدِهِ فشُلّت يَدُهُ. وَظَاهَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وقُتل دُونَهُ نَفَرٌ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي «السِّيرَةِ» فِي النَّفَرِ الَّذِينَ قَامُوا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «تَرَّسَ دُونَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَبُو دُجَانَةَ بِنَفْسِهِ: يَقَعُ النَّبْلُ فِي ظَهْرِهِ وَهُوَ مُنْحَنٍ عَلَيْهِ، حَتَّى كَثُرَ فِيهِ النَّبْلُ. وَرَمَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ دُونَ النَّبِيِّ - ﷺ -. قَالَ سَعْدٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُنَاوِلُنِي النَّبْلَ، وَيَقُولُ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي»، حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُنِي السهم ما له نصل، فيقول «ارم» .
وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - حِينَ غَشِيَهُ الْقَوْمُ: «مَنْ رَجُلٌ يَشْرِي لَنَا نَفْسَهُ؟» ... فَقَامَ زِيَادُ بْنُ السَّكَنِ فِي نَفَرٍ: خَمْسَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ - وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ عُمَارَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ السَّكَنِ - فَقَاتَلُوا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلًا، ثُمَّ رَجُلًا، يُقتلون دُونَهُ، حَتَّى كَانَ آخِرَهُمْ زِيَادٌ أَوْ عُمَارَةُ فَقَاتَلَ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الْجِرَاحَةُ، ثُمَّ فَاءَتْ فِئَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَجْهَضُوهُمْ عَنْهُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «أَدْنُوهُ مِنِّي» فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ، فوسَّده قَدَمَهُ، فَمَاتَ وخدَّه على قدم النبي» (٢) .
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أن رسول الله - ﷺ - رَمَى عَنْ قَوْسِهِ حَتَّى انْدَقَّتْ سِيَتُها، فَأَخَذَهَا قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ، وَأُصِيبَتْ يَوْمَئِذٍ عَيْنُ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، حَتَّى وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ. وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أن رسول الله - ﷺ - ردّها بيده وكانت أحسن عينيه وأحدّهما» .
وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ مِنَ الَّذِينَ كَانُوا يَدْفَعُونَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، بَلْ كَانُوا مَشْغُولِينَ بِقِتَالِ آخَرِينَ، وَجُرِحَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي جَبِينِهِ، وَلَمْ يُجْرَحْ عَلِيٌّ.
فَقَوْلُهُ: «إن عليًّا قال أصابني يَوْمَ أُحُدٍ سِتَّ عَشْرَةَ ضَرْبَةً، سَقَطْتُ إِلَى الْأَرْضِ فِي أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ» .
كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. فَأَيْنَ إِسْنَادُ هَذَا؟ وَمَنِ الَّذِي صَحَّحَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؟ وَفِي أَيِّ كِتَابٍ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي يُعتمد عَلَى نَقْلِهَا ذُكِرَ هَذَا؟ بَلِ الَّذِي جُرح رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَكَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى فَم الشِّعب خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى ملأ درقته من المهراس فجاء بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِيَشْرَبَ مِنْهُ، فَوَجَدَ لَهُ رِيحًا، فَعَافَهُ فَلَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ، وَغَسَلَ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ أَدْمَى وَجْهَ نَبِيِّهِ» .
وَقَوْلُهُ: «إِنَّ عُثْمَانَ جَاءَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ» كَذِبٌ آخَرُ.
_________
(١) الآية ١٧٢ من سورة آل عمران.
(٢) انظر مختصر السيرة لابن هشام ج٣ ص ٨٧ - ٩١.
470
المجلد
العرض
87%
الصفحة
470
(تسللي: 465)