مختصر منهاج السنة - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَوْثَانِ مَا لَيْسَ برجس، وإذا قلت ثوبا مِنْ حَرِيرٍ، فَهُوَ كَقَوْلِكَ ثَوْبُ حَرِيرٍ، وَكَذَلِكَ قولك باب من حديد فهو، كَقَوْلِكَ بَابُ حَدِيدٍ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حَرِيرٌ وَحَدِيدٌ غَيْرُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وإن كان الذي يتصوره كليا، فَإِنَّ الْجِنْسَ الْكُلِّيَّ، هُوَ مَا لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا فِيهِ فِي الْوُجُودِ.
فَإِذَا كَانَتْ من بيان الْجِنْسِ، كَانَ التَّقْدِيرُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعملوا الصالحات مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ كُلُّهُمْ مؤمنين صالحين، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَالصِّنْفِ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أَنَّ يَكُونَ جَمِيعُ هَذَا الْجِنْسِ مُؤْمِنِينَ صَالِحِينَ.
وَلَمَّا قَالَ لأزواج النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ (١) لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُنَّ تَقْنُتُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلُ صَالِحًا، وَلَمَّا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَليَكُم كَتَبَ رَبُّكُم عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُم سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) لم يمنع أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ولا يجوز أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ لَوْ عَمِلُوا سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا لم يغفر إلا لبعضهم.
وَلِهَذَا تَدْخُلُ مِنْ هَذِهِ فِي النَّفْيِ لِتَحْقِيقِ نَفْيِ الْجِنْسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَمَا التَّنَاهُم مِن عَمَلِهِم مِن شَيء﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ الله﴾ (٤) ﴿فَمَا مِنْكُم مِن أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِين﴾ (٥) .
وَلِهَذَا إِذَا دَخَلَتْ فِي النَّفْيِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا أَفَادَتْ نَفْيَ الْجِنْسِ قَطْعًا، (فَالتَّحْقِيقُ مَا ذكر والتقدير كقوله تعالى: ﴿لا إله إلا الله﴾ وقوله: ﴿لاَرَيْبَ فيه﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ تَكُنْ "مِنْ"مَوْجُودَةً كَقَوْلِكَ «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا» فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ لِنَفْيِ الْجِنْسِ، وَلَكِنْ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُنْفَى بِهَا الْوَاحِدُ مِنَ الْجِنْسِ، كَمَا قَالَ سيبويه: يجوز أن يقال ما
_________
(١) الآية ٣١ من سورة الأحزاب.
(٢) الآية ٥٤ من سورة الأنعام.
(٣) الآية ٢١ من سورة الطور.
(٤) الآية ٦٢ من سورة آل عمران.
(٥) الآية ٤٧ من سورة الحاقة.
فَإِذَا كَانَتْ من بيان الْجِنْسِ، كَانَ التَّقْدِيرُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعملوا الصالحات مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ كُلُّهُمْ مؤمنين صالحين، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَالصِّنْفِ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أَنَّ يَكُونَ جَمِيعُ هَذَا الْجِنْسِ مُؤْمِنِينَ صَالِحِينَ.
وَلَمَّا قَالَ لأزواج النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ (١) لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُنَّ تَقْنُتُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلُ صَالِحًا، وَلَمَّا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَليَكُم كَتَبَ رَبُّكُم عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُم سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) لم يمنع أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ولا يجوز أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ لَوْ عَمِلُوا سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا لم يغفر إلا لبعضهم.
وَلِهَذَا تَدْخُلُ مِنْ هَذِهِ فِي النَّفْيِ لِتَحْقِيقِ نَفْيِ الْجِنْسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَمَا التَّنَاهُم مِن عَمَلِهِم مِن شَيء﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ الله﴾ (٤) ﴿فَمَا مِنْكُم مِن أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِين﴾ (٥) .
وَلِهَذَا إِذَا دَخَلَتْ فِي النَّفْيِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا أَفَادَتْ نَفْيَ الْجِنْسِ قَطْعًا، (فَالتَّحْقِيقُ مَا ذكر والتقدير كقوله تعالى: ﴿لا إله إلا الله﴾ وقوله: ﴿لاَرَيْبَ فيه﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ تَكُنْ "مِنْ"مَوْجُودَةً كَقَوْلِكَ «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا» فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ لِنَفْيِ الْجِنْسِ، وَلَكِنْ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُنْفَى بِهَا الْوَاحِدُ مِنَ الْجِنْسِ، كَمَا قَالَ سيبويه: يجوز أن يقال ما
_________
(١) الآية ٣١ من سورة الأحزاب.
(٢) الآية ٥٤ من سورة الأنعام.
(٣) الآية ٢١ من سورة الطور.
(٤) الآية ٦٢ من سورة آل عمران.
(٥) الآية ٤٧ من سورة الحاقة.
80