اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

موقع الإسلام سؤال وجواب

الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
هل تُقبل توبة الساحر؟

[السُّؤَالُ]
ـ[هل تقبل توبة الساحر عند الله - لأنني سمعت عن ساحرة استفتت الصحابة عن التوبة بعد وفاة الرسول ﷺ فلم يفتها أحد -؟ وماذا قالوا لها؟ وهل ينفعها إيمانها عند الله؟ ولماذا يفتي العلماء بقبول توبة الساحر في هذه الحال؟.]ـ

[الْجَوَابُ]
الحمد لله
تعلم السحر والعمل به كفر، قال تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) البقرة/١٠٢، والساحر قد يأتي بما يوجب ردَّته فيكفر فيقتل ردةً، وقد يسحر من غير أن يأتي بمكفِّر، وهذا قد وقع فيه خلاف بين العلماء، والصحيح من أقوالهم: أنه يقتل أيضًا إذا ثبت أنه ساحر، وهو الذي فعله الصحابة ﵃ وأمروا به، وإذا قُتل لم يغسَّل ولم يكفَّن ولم يُدفن في مقابر المسلمين.
ولا ينبغي التوقف في قتل الساحر سواء قلنا بكفره أم لم نقل، لأن هذا هو الثابت عن أصحاب النبي ﷺ، وفي قتله منع من الإفساد وردع لغيره من إخوانه السحرة.
فإذا تاب الساحر بينه وبين الله توبة صادقة: فإن الله تعالى يقبل منه، وهذا فيما بينه وبين ربه قبل أن يصل أمره للقضاء، فإذا وصل أمره للقضاء الشرعي فينبغي على القاضي قتله من غير استتابة؛ تخليصًا للمجتمع من شره، ولا يجوز لآحاد الناس أن يقيم الحد بنفسه، بل الأمر مرجعه لولي الأمر.
وهذه طائفة من فتاوى العلماء في ذلك:
١. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀:
" إذا تاب الساحر توبة صادقة فيما بينه وبين الله: نفعه ذلك عند الله، فالله يقبل التوبة من المشركين وغيرهم، كما قال جل وعلا: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) الشورى/٢٥، وقال جل وعلا: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور/٣١.
لكن في الدنيا لا تقبل، الصحيح: أنه يقتل، فإذا ثبت عند حاكم المحكمة أنه ساحر يقتل، ولو قال: إنه تائب، فالتوبة فيما بينه وبين الله صحيحة، إن كان صادقا تنفعه عند الله، أما في الحكم الشرعي فيقتل، كما أمر عمر بقتل السحرة؛ لأن شرهم عظيم، قد يقولون: تبنا، وهم يكذبون، يضرون الناس، فلا يسلم من شرهم بتوبتهم التي أظهروها ولكن يقتلون، وتوبتهم إن كانوا صادقين تنفعهم عند الله " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ١١١) .
٢. وقال الشيخ ﵀ – أيضًا – (٨/٦٩):
" والصحيح عند أهل العلم: أن الساحر يقتل بغير استتابة؛ لعظم شره وفساده، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يستتاب، وأنهم كالكفرة الآخرين يستتابون، ولكن الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يستتاب؛ لأن شره عظيم، ولأنه يخفي شره، ويخفي كفره، فقد يدعي أنه تائب وهو يكذب، فيضر الناس ضررًا عظيمًا، فلهذا ذهب المحققون من أهل العلم إلى أن من عرف وثبت سحره يقتل ولو زعم أنه تائب ونادم، فلا يصدق في قوله.
ولهذا ثبت عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يقتلوا كل من وجدوا من السحرة، حتى يتقي شرهم، قال أبو عثمان النهدي: (فقتلنا ثلاث سواحر)، هكذا جاء في صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة – [رواه أبو داود بإسناد صحيح وأصله في "البخاري"]-، وهكذا صح عن حفصة أنها قتلت جارية لها، لما علمت أنها تسحر قتلتها، وهكذا جندب بن عبد الله ﵁ الصحابي الجليل لما رأى ساحرًا يلعب برأسه - يقطع رأسه ويعيده، يخيِّل على الناس بذلك - أتاه من جهة لا يعلمها فقتله، وقال: (أعد رأسك إن كنت صادقًا) .
والمقصود: أن السحرة شرهم عظيم، ولهذا يجب أن يقتلوا، فولي الأمر إذا عرف أنهم سحرة، وثبت لديه ذلك بالبينة الشرعية: وجب عليه قتلهم؛ صيانة للمجتمع من شرهم وفسادهم " انتهى.
٣. وقال الشيخ – أيضًا – (٨/١١١):
" إذا قُتل لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، يدفن في مقابر الكفرة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يصلى عليه، ولا يغسل ولا يكفن، ونسأل الله العافية " انتهى.
٤. وقال – أيضًا -:
" وحكم الساحر الذي يعلم منه أنه يخيل على الناس، أو يترتب على عمله مضرة على الناس، من سحر العيون، والتزوير عليها، أو تحبيب الرجل إلى امرأته والمرأة إلى زوجها، أو ضد ذلك مما يضر الناس، متى ثبت ذلك بالبينة لدى المحاكم الشرعية وجب قتل هذا الساحر، ولا يقبل منه توبة ولو تاب. . .
وقد سبق ما ثبت عن عمر ﵁ أنه أمر عماله - أعني: أمراءه - بقتل السحرة، لمنع فسادهم في الأرض، وإيذائهم للمسلمين وإدخالهم الضرر على الناس، فمتى عرفوا وجب على ولاة أمر المسلمين قتلهم، ولو قالوا: تبنا؛ لأنهم لا يؤمَنون، لكن إن كانوا صادقين في التوبة نفعهم ذلك عند الله ﷿؛ لعموم قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) الشورى/٢٥. . .
أما من جاء إلى ولاة الأمور من غير أن يقبض عليه يخبر عن توبته، وأنه كان فعل كذا فيما مضى من الزمان وتاب إلى الله سبحانه وظهر منه الخير فهذا تقبل توبته؛ لأنه جاء مختارًا طالبًا للخير معلنًا توبته من غير أن يقبض عليه أحد أو يدعي عليه أحد، والمقصود: أنه إذا جاء على صورة ليس فيها حيلة ولا مكر فإن مثل هذا تقبل توبته؛ لأنه جاء تائبًا نادمًا، كغيره من الكفرة ممن يكون له سلف سيئ ثم يمن الله عليه بالتوبة من غير إكراه ولا دعوى عليه من أحد " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ٨١، ٨٢) .
٥. وقال علماء اللجنة الدائمة:
" إذا أتى الساحر في سحره بمكفِّر: قتل لردته حدًّا، وإن ثبت أنه قتل بسحره نفسا معصومة: قتل قصاصًا، وإن لم يأت في سحره بمكفر ولم يقتل نفسًا: ففي قتله بسحره خلاف، والصحيح: أنه يقتل حدًّا لردته، وهذا هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏؛ لكفره بسحره مطلقا لدلالة آية: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) على كفر الساحر مطلقًا؛ ولما ثبت في " صحيح البخاري " عن بجالة بن عبدة أنه قال: (كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر)، ولما صح عن حفصة أم المؤمنين ﵂ (أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت) رواه مالك في " الموطأ "؛ ولما ثبت عن جندب أنه قال: (حد الساحر ضربة بالسيف) رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف.
وعلى هذا فحكم الساحر المسئول عنه في الاستفتاء أنه يقتل على الصحيح من أقوال العلماء، والذي يتولى إثبات السحر وتلك العقوبة هو الحاكم المتولي شئون المسلمين؛ درءا للمفسدة وسدا لباب الفوضى " انتهى.
" فتاوى اللجنة الدائمة " (١ / ٥٥١ – ٥٥٣) .
٦. وقال الشيخ ابن عثيمين:
" وهذا القتل هل هو حدٌّ أم قتله لكفره؟
يحتمل هذا وهذا، بناء على التفصيل السابق في كفر الساحر، ولكن بناء على ما سبق من التفصيل نقول: من خرج به السحر إلى الكفر فقتله قتل ردة، ومن لم يخرج به السحر إلى الكفر من باب دفع الصائل يجب تنفيذه حيث رآه الإمام.
والحاصل: أنه يجب أن تقتل السحرة، سواء قلنا بكفرهم أم لم نقل؛ لأنهم يمرضون، ويقتلون، ويفرقون بين المرء وزوجه، وكذلك بالعكس؛ فقد يعطفون فيؤلفون بين الأعداء، ويتوصلون إلى أغراضهم؛ فإن بعضهم قد يسحر أحدا ليعطفه إليه وينال مأربه منه، كما لو سحر امرأة ليبغي بها، ولأنهم كانوا يسعون في الأرض فسادًا؛ فكان واجبًا على وليِّ الأمر قتلهم بدون استتابة ما دام أنه لدفع ضررهم وفظاعة أمرهم؛ فإن الحدَّ لا يستتاب صاحبه، متى قبض عليه وجب أن ينفذ فيه الحد " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٩ / ٥٠٨، ٥٠٩) وهو شرح لكتاب " التوحيد ".
٧. وقال الشيخ ابن عثيمين – أيضًا -:
" والقول بقتلهم (يعني: السحرة) موافق للقواعد الشرعية؛ لأنهم يسعون في الأرض فسادًا، وفسادهم من أعظم الفساد، فقتلهم واجب على الإمام، ولا يجوز للإمام أن يتخلف عن قتلهم؛ لأن مثل هؤلاء إذا تركوا وشأنهم انتشر فسادهم في أرضهم وفي أرض غيرهم، وإذا قتلوا سلم الناس من شرهم، وارتدع الناس عن تعاطي السحر " انتهى.
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (٩ / ٥٠٩) وهو شرح لكتاب " التوحيد ".
والله أعلم.

[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
860
المجلد
العرض
10%
الصفحة
860
(تسللي: 862)