مختصر منهاج السنة - تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
فَلَا رَزِيَّةَ فِي حَقِّهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كَانَ بِخِلَافَةِ عَلِيٍّ فهو ضال باتفاق عامة الناس من عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ. أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَمُتَّفِقُونَ عَلَى تَفْضِيلِ أَبِي بَكْرٍ وَتَقْدِيمِهِ. وَأَمَّا الشِّيعَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْإِمَامَةِ، فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى إِمَامَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ نَصًّا جَلِيًّا ظَاهِرًا مَعْرُوفًا، وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يكن يحتاج إلى كتاب.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْأُمَّةَ جَحَدَتِ النَّصَّ الْمَعْلُومَ الْمَشْهُورَ، فَلِأَنْ تَكْتُمَ كِتَابًا حَضَرَهُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ أوْلى وَأَحْرَى.
وَأَيْضًا فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ إِلَى مَرَضِ مَوْتِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْكِتَابِ لِشَكِّ مَنْ شَكَّ، فَلَوْ كَانَ مَا يَكْتُبُهُ فِي الْكِتَابِ مِمَّا يَجِبُ بَيَانُهُ وَكِتَابَتُهُ، لَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُبَيِّنُهُ وَيَكْتُبُهُ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى قَوْلِ أحدٍ، فَإِنَّهُ أَطْوَعُ الْخَلْقِ لَهُ، فعُلم أَنَّهُ لَمَّا تَرَكَ الْكِتَابَ لَمْ يَكُنِ الْكِتَابُ وَاجِبًا، وَلَا كَانَ فِيهِ مِنَ الدِّينِ مَا تَجِبُ كِتَابَتُهُ حِينَئِذٍ، إِذْ لَوْ وَجَبَ لَفَعَلَهُ، وَلَوْ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أمر، ثم تبيّن له أوشك فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، فَلَيْسَ هُوَ أَعْظَمَ مِمَّنْ يُفْتِي وَيَقْضِي بِأُمُورٍ وَيَكُونُ النَّبِيُّ - ﷺ - قَدْ حَكَمَ بِخِلَافِهَا، مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ قَدْ عَلِمَ حُكْمَ النَّبِيِّ صل اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّ الشَّكَّ فِي الْحَقِّ أَخَفُّ مِنَ الْجَزْمِ بِنَقِيضِهِ.
وَكُلُّ هَذَا إِذَا كَانَ بِاجْتِهَادٍ سَائِغٍ كَانَ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَطَأِ الَّذِي رَفَعَ اللَّهُ الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ. كَمَا قَضَى عليٌّ فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنَّهَا تَعْتَدُّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ، مَعَ مَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا السَّنَابِلِ بْنَ بَعْكَكٍ أَفْتَى بِذَلِكَ لِسُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ، بَلْ حللتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ» (١) . فَقَدْ كَذَّبَ النَّبِيُّ - ﷺ - هَذَا الَّذِي أَفْتَى بِهَذَا. وَأَبُو السَّنَابِلِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يفتِيَ بِهَذَا مَعَ حُضُورِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
وَأَمَّا عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَإِنْ كَانَا أَفْتَيَا بِذَلِكَ، لَكِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهَادٍ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - ﷺ -، ولم يكن بلغهما قصة سُبَيْعة.
_________
(١) انظر البخاري ج٥ ص٨٠ ومسلم ج٢ ص١١٢٢.
وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كَانَ بِخِلَافَةِ عَلِيٍّ فهو ضال باتفاق عامة الناس من عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ. أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَمُتَّفِقُونَ عَلَى تَفْضِيلِ أَبِي بَكْرٍ وَتَقْدِيمِهِ. وَأَمَّا الشِّيعَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْإِمَامَةِ، فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى إِمَامَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ نَصًّا جَلِيًّا ظَاهِرًا مَعْرُوفًا، وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يكن يحتاج إلى كتاب.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْأُمَّةَ جَحَدَتِ النَّصَّ الْمَعْلُومَ الْمَشْهُورَ، فَلِأَنْ تَكْتُمَ كِتَابًا حَضَرَهُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ أوْلى وَأَحْرَى.
وَأَيْضًا فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ إِلَى مَرَضِ مَوْتِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْكِتَابِ لِشَكِّ مَنْ شَكَّ، فَلَوْ كَانَ مَا يَكْتُبُهُ فِي الْكِتَابِ مِمَّا يَجِبُ بَيَانُهُ وَكِتَابَتُهُ، لَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُبَيِّنُهُ وَيَكْتُبُهُ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى قَوْلِ أحدٍ، فَإِنَّهُ أَطْوَعُ الْخَلْقِ لَهُ، فعُلم أَنَّهُ لَمَّا تَرَكَ الْكِتَابَ لَمْ يَكُنِ الْكِتَابُ وَاجِبًا، وَلَا كَانَ فِيهِ مِنَ الدِّينِ مَا تَجِبُ كِتَابَتُهُ حِينَئِذٍ، إِذْ لَوْ وَجَبَ لَفَعَلَهُ، وَلَوْ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أمر، ثم تبيّن له أوشك فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، فَلَيْسَ هُوَ أَعْظَمَ مِمَّنْ يُفْتِي وَيَقْضِي بِأُمُورٍ وَيَكُونُ النَّبِيُّ - ﷺ - قَدْ حَكَمَ بِخِلَافِهَا، مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ قَدْ عَلِمَ حُكْمَ النَّبِيِّ صل اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّ الشَّكَّ فِي الْحَقِّ أَخَفُّ مِنَ الْجَزْمِ بِنَقِيضِهِ.
وَكُلُّ هَذَا إِذَا كَانَ بِاجْتِهَادٍ سَائِغٍ كَانَ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَطَأِ الَّذِي رَفَعَ اللَّهُ الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ. كَمَا قَضَى عليٌّ فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنَّهَا تَعْتَدُّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ، مَعَ مَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا السَّنَابِلِ بْنَ بَعْكَكٍ أَفْتَى بِذَلِكَ لِسُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ، بَلْ حللتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ» (١) . فَقَدْ كَذَّبَ النَّبِيُّ - ﷺ - هَذَا الَّذِي أَفْتَى بِهَذَا. وَأَبُو السَّنَابِلِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يفتِيَ بِهَذَا مَعَ حُضُورِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
وَأَمَّا عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَإِنْ كَانَا أَفْتَيَا بِذَلِكَ، لَكِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهَادٍ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - ﷺ -، ولم يكن بلغهما قصة سُبَيْعة.
_________
(١) انظر البخاري ج٥ ص٨٠ ومسلم ج٢ ص١١٢٢.
275