اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

أحكام أهل الذمة - ط رمادي

محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
أحكام أهل الذمة - ط رمادي - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
الْأَبَوَيْنِ: فَتَهْوِيدُهُمَا، وَتَنْصِيرُهُمَا، وَتَمْجِيسُهُمَا، هُوَ بِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمَوْلُودُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ مُسْلِمًا، وَيُولَدُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ قَدْ يُغَيِّرُهَا الْأَبَوَانِ كَمَا قَدَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ، وَكَتَبَهُ، كَمَا مَثَّلَ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " «كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهِمَا مِنْ جَدْعَاءَ» ".
فَبَيَّنَ أَنَّ الْبَهِيمَةَ تُولَدُ سَلِيمَةً، ثُمَّ يَجْدَعُهَا النَّاسُ، وَذَلِكَ أَيْضًا بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَقَدَرِهِ، فَكَذَلِكَ الْمَوْلُودُ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ مُسْلِمًا، ثُمَّ يُفْسِدُهُ أَبَوَاهُ، وَإِنَّمَا قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: وُلِدَ عَلَى مَا فُطِرَ عَلَيْهِ مِنْ شَقَاوَةٍ وَسَعَادَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَدَرِيَّةَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ لَيْسَتْ بِقَدَرِ اللَّهِ، بَلْ بِمَا فَعَلَهُ النَّاسُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَكُفْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ النَّاسِ، وَلِهَذَا لَمَّا قِيلَ لِمَالِكٍ: إِنَّ الْقَدَرِيَّةَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِأَوَّلِ الْحَدِيثِ.
قَالَ: احْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» " فَبَيَّنَ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْقَدَرِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: إِنَّ الْأَبَوَيْنِ خَلَقَا تَهْوِيدَهُ وَتَنْصِيرَهُ، وَالْقَدَرِيَّةُ لَا تَقُولُ ذَلِكَ بَلْ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ تَهَوَّدَ وَتَنَصَّرَ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَكِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ سَبَبًا فِي حُصُولِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيمِ، وَالتَّلْقِينِ، وَهَذَا حَقٌّ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْقَدَرِ السَّابِقِ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْكِتَابِ، وَالْمَشِيئَةِ، بَلْ ذَلِكَ مُضَافٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عِلْمًا، وَكِتَابَةً، وَمَشِيئَةً، وَإِلَى الْأَبَوَيْنِ تَسَبُّبًا، وَتَعْلِيمًا، وَتَلْقِيَنًا، وَإِلَى الشَّيْطَانِ تَزْيِينًا، وَوَسْوَسَةً، وَإِلَى الْعَبْدِ رِضًا، وَاخْتِيَارًا، وَمَحَبَّةً.
وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - إِنَّ الْغُلَامَ
952
المجلد
العرض
57%
الصفحة
952
(تسللي: 832)