الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي - فضل الله بن حسن بن حسين بن يوسف أبو عبد الله، شهاب الدين التُّورِبِشْتِي
الكتاب والقرآن، وليست بمال، فأمي عليها في سبيل الله، قال: (إن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها) فإن قيل: فإذا ما وجه قوله في حديث ابن عباس: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله﷿) قلنا: أراد به أجر الآخرة. كان سؤالهم عن أخذ الاجر عليه، فعرض هو بما هو الحقيقة فيه والمطلوب منه. وهذا النوع من الخطاب يسميه أهل البلاغة التحويل للكلام ومن هذا الباب قوله - ﷺ - (٥٥ ب): (الصرعة من يملك نفسه عند الغضب) وقوله: (المحروب من حرب دينه) فإن قيل: فماذا تصنع بحديث خارجة بن الصلت عن عمه، وهو في الحسان، عقيب هذا الحديث، وفيه: (فأعطوه مائة شاة .... الحديث) قلنا: لم يذكر في الحديث أنهم شاطروه على شيء، وإنما كان الرجل متبرعًا بالرقية فرقاه، فبعدما أفاق المرقي أعطوه مائة شاة تكرمه له، هذا وجه هذا الحديث، ليوافق حديث عبادة، فإنه حديث صحيح، وهذا الحديث لا يقاومه في الصحة: فإن قيل: لو سلم لك الأمر فيما ابتغيت من التوفيق بينهما- على ما ذكرت- فكيف يوفق بينهما في غير ذلك المعنى، وهو أن يقال قلت: ولم يذكر في الحديث أنهم شارطوه على شيء، وكان متبرعًا بذلك، فأعطى بعد الرقية مائة شاة، هدية إليه وتكرمه له، وكذلك عبادة علمه القرآن متبرعا به، ثم أهدى إليه القوس هدية [المؤمن إليه المؤمن] فمنعه عن قبلها بأبلغ قول.
قلنا: الفرق بين القضيتين أن عبادة كان من مياسير الصحابة، وقد استفتاه في قولها كالمستشير المفوض أمره إليه، فأشار إليه بما هو الأحق له والأولى به. والرجل حدث رسول الله - ﷺ - بحديثه بعد أن كان قبل الشياه، وتناول منها وأفناها، وبعد أن رجع من تلك السفرة، ولعله كان من المحاويج فتصدقوا بها عليه، فلم ير لنهيه بعد وقوع الحادثة، أو بعد افتقاره إلى ذلك وجها ثم إن الحديثين، وإن اتفقا في الحكم، فإنهما مختلفان في الصحة، فإن قيل: فإن كان الأمر على ما قدرت، وقد كان النبي - ﷺ - أشار إليه بما أشار نظرًا له، وشفقة عليه، فعلام أوعده بالعقوبة على صنيع لو أتاه لم يكن آتيا محرمًا عليه.
قلنا: نرى أن قوله: (إن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها) لم يكن من باب الوعيد بالعقوبة على ارتكاب ذنب، وإنما شبه القوس التي كادت أن تنقض سريرته بالنار المحرقة المفنية لذوات الأشياء، ولما كان من عادة المتسلحة أن يتقلدوا القسى، فيكون عليهم هيئة الطوق، أنزل تلك القوس، إذا تقلد بها منزلة طوق من نار، لما يصيبه [٥٦ أ] [بسببها] من بطلان العمل وانتقاص الأجر، وإن يكن المراد منه
قلنا: الفرق بين القضيتين أن عبادة كان من مياسير الصحابة، وقد استفتاه في قولها كالمستشير المفوض أمره إليه، فأشار إليه بما هو الأحق له والأولى به. والرجل حدث رسول الله - ﷺ - بحديثه بعد أن كان قبل الشياه، وتناول منها وأفناها، وبعد أن رجع من تلك السفرة، ولعله كان من المحاويج فتصدقوا بها عليه، فلم ير لنهيه بعد وقوع الحادثة، أو بعد افتقاره إلى ذلك وجها ثم إن الحديثين، وإن اتفقا في الحكم، فإنهما مختلفان في الصحة، فإن قيل: فإن كان الأمر على ما قدرت، وقد كان النبي - ﷺ - أشار إليه بما أشار نظرًا له، وشفقة عليه، فعلام أوعده بالعقوبة على صنيع لو أتاه لم يكن آتيا محرمًا عليه.
قلنا: نرى أن قوله: (إن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها) لم يكن من باب الوعيد بالعقوبة على ارتكاب ذنب، وإنما شبه القوس التي كادت أن تنقض سريرته بالنار المحرقة المفنية لذوات الأشياء، ولما كان من عادة المتسلحة أن يتقلدوا القسى، فيكون عليهم هيئة الطوق، أنزل تلك القوس، إذا تقلد بها منزلة طوق من نار، لما يصيبه [٥٦ أ] [بسببها] من بطلان العمل وانتقاص الأجر، وإن يكن المراد منه
711