الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي - فضل الله بن حسن بن حسين بن يوسف أبو عبد الله، شهاب الدين التُّورِبِشْتِي
قول الراوي، وإنما هو من قول الرسول - ﷺ -، أتى بها للتقسيم وغثبات الحكم المذكور في الكثير منهم والقليل. وإنما قال: (إلا تعجلوا ثلثي أجورهم)؛ لأن الناس في الغزو على أحوال ثلاثة: إما أن يغنموا ويسلموا أو يسلموا ولم يغنموا، أو يخفقوا ويصابوا بقتل أو جراحة، فإذا غنموا وسلموا فاتهم أجر الإخفاق والإصابة، وسلم لهم ثلث الأجر بمحاربتهم [١٠٣/ب] أعداء الله. والأجر الكامل إنما يستوفيه من أخفق وأصيب، يقال: أخفق الرجل: إذا غزا ولم يغنم، وأخفق أيضًا: إذا رجع ولم يصطد.
[٢٧٨٣] ومنه حديثه الآخر: _جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فاستأذنه في الجهاد .. الحديث) قد علمنا من استئذان الرجل أنه كان متطوعًا في الجهاد فرأي له النبي - ﷺ - خدمة أبويه أهم الأمرين وأفضلهما، لاسيما إذا كان بهما حادة إليه. ويحتمل أنه نبئ أن الرجل ليس ممن يغني في الحرب غناء، فلم ير له مفارقتهما لأمر لا ضرورة به فيه.
وقد أشرنا فيما مضى إلى التفاوت الذي يقع في باب الفضيلة على حسب تفاوت الأشخاص.
[٢٧٨٤] ومنه حديث ابن عباس﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال يوم الفتح: (لا هجرة بعد الفتح) فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا بين هذا الحديث وبين الحديث الذي يرويه معاوية﵁- عن النبي - ﷺ -: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة .. الحديث)؟
قلنا: قد تكلموا في سند هذا الحديث، ولكن لم يبلغ به ذلك إلى الرد، وقد ورد في غير ذلك من الأحاديث ما يؤيد معناه، والوجه أن نقول: الهجرتان مختلفتان في الحد والحقيقة، وذلك أن الهجرة إلى النبي - ﷺ - قد فرضت على من بمكة من المسلمين، وعلى من كان بين ظهراني قوم كفار لئلا يكثر بهم سواد أهل الشرك المحاربة لله ولرسوله، ثم لينصروا دين الله، وليعزروا رسوله، وليتمكنوا من إقامة ما فرض عليهم من الفرائض، فلما فتح الله مكة، وانكسرت شوكة الكفر، وقلت أنصاره، وطهر الله الحرم الشريف عن رجس الجبت والطاغوت، بحيث لم يبق للكفر به معلم- سقط فرض الهجرة عنهم، وعادت الفضائل المجعولة للمهاجرين مختصة بمن هاجر قبل الفتح، هذا ولم يرتفع بذلك فذل الهجرة إلى النبي - ﷺ - لنيل شرف الصحبة والتفقه في الدين، والمسارعة إلى مرضاة الله ومرضاة رسوله؛ ألا ترى أنه قال لعكرمة بن
[٢٧٨٣] ومنه حديثه الآخر: _جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فاستأذنه في الجهاد .. الحديث) قد علمنا من استئذان الرجل أنه كان متطوعًا في الجهاد فرأي له النبي - ﷺ - خدمة أبويه أهم الأمرين وأفضلهما، لاسيما إذا كان بهما حادة إليه. ويحتمل أنه نبئ أن الرجل ليس ممن يغني في الحرب غناء، فلم ير له مفارقتهما لأمر لا ضرورة به فيه.
وقد أشرنا فيما مضى إلى التفاوت الذي يقع في باب الفضيلة على حسب تفاوت الأشخاص.
[٢٧٨٤] ومنه حديث ابن عباس﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال يوم الفتح: (لا هجرة بعد الفتح) فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا بين هذا الحديث وبين الحديث الذي يرويه معاوية﵁- عن النبي - ﷺ -: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة .. الحديث)؟
قلنا: قد تكلموا في سند هذا الحديث، ولكن لم يبلغ به ذلك إلى الرد، وقد ورد في غير ذلك من الأحاديث ما يؤيد معناه، والوجه أن نقول: الهجرتان مختلفتان في الحد والحقيقة، وذلك أن الهجرة إلى النبي - ﷺ - قد فرضت على من بمكة من المسلمين، وعلى من كان بين ظهراني قوم كفار لئلا يكثر بهم سواد أهل الشرك المحاربة لله ولرسوله، ثم لينصروا دين الله، وليعزروا رسوله، وليتمكنوا من إقامة ما فرض عليهم من الفرائض، فلما فتح الله مكة، وانكسرت شوكة الكفر، وقلت أنصاره، وطهر الله الحرم الشريف عن رجس الجبت والطاغوت، بحيث لم يبق للكفر به معلم- سقط فرض الهجرة عنهم، وعادت الفضائل المجعولة للمهاجرين مختصة بمن هاجر قبل الفتح، هذا ولم يرتفع بذلك فذل الهجرة إلى النبي - ﷺ - لنيل شرف الصحبة والتفقه في الدين، والمسارعة إلى مرضاة الله ومرضاة رسوله؛ ألا ترى أنه قال لعكرمة بن
879