الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي - فضل الله بن حسن بن حسين بن يوسف أبو عبد الله، شهاب الدين التُّورِبِشْتِي
[٢٨٠٧] ومنه حديثه الآخر عن النبي - ﷺ -: (قفلة كغزوة)، يريد به والله أعلم- أن الغازي مأجور في قفوله كما هو مأجور في خروجه إلى دار الحرب، وذلك لأنه يستجم به نفسه، ويستعد بالحرب باتخاذ أداته، ويرجع إلى أهله وعياله لدفع الضرر عنهم بما أصابهم لغيبته، وقد أشار الخطابي في معناه إلى نحو من ذلك، وذكر فيه وجهًا آخر، وهو حمله على التعقيب، وهو أن يرجح في الوجه الذي جاء منه منصرفًا إلى العدو ليأمن بأسهم، أو يوقع بهم على غرة منهم وذكر كلامًا هذا معناه، والأول أقوم؛ لأن القفول إنما يستعمل في الرجوع عن الوجه الذي ذهب إليه لحاجة إلى حيث توجه منه، والقافلة عندهم هي الرفقة الراجعة من السفر، وقال الطحاوي: يحتمل أن يكون- يعني النبي - ﷺ - سئل عن قوم قفلوا لخوفهم أن يكر عليهم من عدوهم من هم أكثر عددًا منهم إلى فئتهم ليزدادوا [عددا] ثم يكروا عليهم، وكان ذلك فرضهم.
[٢٨٠٨] ومنه حديثه الآخر عن النبي - ﷺ -: (للغازي أجره، وللجاعل أجره، وأجر الغازي) الجعل بالضم: ما يجعل للإنسان من الشيء على الشيء يفعله. وكذلك الجعالة بالكسر والجعيلة مثله.
قلت: لم يرد بالجاعل في هذا الحديث المستأجر، ولا بالمجعول له الأجير، ولهذا ذكره بلفظ الجعل لا بلفظ الإجازة، وعبر عن المجهول له بالغازي لا بالأجير، وإنما أراد بالجاعل الذي يتبرع بشيء يعطيه من ماله كمن يستعين به على الجهاد، ويستنفقه على نفسه وعياله، ثم ذكر أن للمجهول له أجرأ، وهو أجر الغزو وللجاعل أجرين: أجرًا على ما بذل من المال، وأجرًا على ما حرض وحث عليه من القتال، حيث شارك الغزاة في مغزاهم. وقوله - ﷺ - في حديث أبي أيوب﵁- بعد هذا الحديث: (ألا وذلك الأجير إلى آخر قطرة من دمه) لا يناقض ما ذكرناه؛ لأنه أراد بقوله هذا من حضر القتال رغبة فيما عقد عليه من المال، لا رغبة في الجهاد، ولهذا سماه أجيرًا، وسمي الذي في حديث الجعالة غازيًا، وكذلك الوجه في حديث يعلي بن أمية﵁- الذي يتلو حديث أبي أيوب، فإنه ذكر أن قد استأجره للخدمة.
وأما قول من ذهب من العلماء إلى أن الأجير يسهم له إذا حضر الوقعة، فإنه محمول على أن حديث يعلي بن أمية إما لم يثبت عندهم، أو رأوه مخصوصًا في الحكم بذلك الأجير؛ لأنه قال قوله ذلك في أجير بعينه، ولم يعم به الأجراء، فلعله اطلع فيه على أمر اقتضى ذلك، وأما حديث أبي أيوب فلا دليل فيه أن الأجير لا يهم له، وإنما فيه أنه لا ينال ثواب الغزاة [١٠٥/ب] لأنه عمل عملًا مدخولًا فيه [والله أعلم].
[٢٨٠٨] ومنه حديثه الآخر عن النبي - ﷺ -: (للغازي أجره، وللجاعل أجره، وأجر الغازي) الجعل بالضم: ما يجعل للإنسان من الشيء على الشيء يفعله. وكذلك الجعالة بالكسر والجعيلة مثله.
قلت: لم يرد بالجاعل في هذا الحديث المستأجر، ولا بالمجعول له الأجير، ولهذا ذكره بلفظ الجعل لا بلفظ الإجازة، وعبر عن المجهول له بالغازي لا بالأجير، وإنما أراد بالجاعل الذي يتبرع بشيء يعطيه من ماله كمن يستعين به على الجهاد، ويستنفقه على نفسه وعياله، ثم ذكر أن للمجهول له أجرأ، وهو أجر الغزو وللجاعل أجرين: أجرًا على ما بذل من المال، وأجرًا على ما حرض وحث عليه من القتال، حيث شارك الغزاة في مغزاهم. وقوله - ﷺ - في حديث أبي أيوب﵁- بعد هذا الحديث: (ألا وذلك الأجير إلى آخر قطرة من دمه) لا يناقض ما ذكرناه؛ لأنه أراد بقوله هذا من حضر القتال رغبة فيما عقد عليه من المال، لا رغبة في الجهاد، ولهذا سماه أجيرًا، وسمي الذي في حديث الجعالة غازيًا، وكذلك الوجه في حديث يعلي بن أمية﵁- الذي يتلو حديث أبي أيوب، فإنه ذكر أن قد استأجره للخدمة.
وأما قول من ذهب من العلماء إلى أن الأجير يسهم له إذا حضر الوقعة، فإنه محمول على أن حديث يعلي بن أمية إما لم يثبت عندهم، أو رأوه مخصوصًا في الحكم بذلك الأجير؛ لأنه قال قوله ذلك في أجير بعينه، ولم يعم به الأجراء، فلعله اطلع فيه على أمر اقتضى ذلك، وأما حديث أبي أيوب فلا دليل فيه أن الأجير لا يهم له، وإنما فيه أنه لا ينال ثواب الغزاة [١٠٥/ب] لأنه عمل عملًا مدخولًا فيه [والله أعلم].
884