أحكام أهل الذمة - ط رمادي - محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
كَمَا إِذَا قِيلَ: يُولَدُ نَاطِقًا عَاقِلًا بِحَيْثُ إِذَا عَقَلَ عَرَفَ رَبَّهُ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِيهِ دُونَ الْجَمَادَاتِ، بِحَيْثُ لَوْ خُلِّيَ وَمَا فُطِرَ عَلَيْهِ وَلَمْ تُغَيَّرْ فِطْرَتُهُ لَكَانَ عَارِفًا بِرَبِّهِ، مُوَحِّدًا لَهُ، مُحِبًّا لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُنْكِرْ هَذَا، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ الْمِيثَاقَ الْأَوَّلَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ حِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ، وَالْإِقْرَارَ غَيْرُ حَاصِلَيْنِ مِنَ الطِّفْلِ، فَصَحَّ إِنْكَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.
قِيلَ: ابْنُ قُتَيْبَةَ إِنَّمَا قَالَ: الْفِطْرَةُ هِيَ خَلْقُهُ فِي كُلِّ مَوْلُودٍ مَعْرِفَةً بِرَبِّهِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ الْمَعْرِفَةُ حَاصِلَةً فِي الْمَوْلُودِ بِالْفِعْلِ، وَتَشْبِيهُهُ الْحَدِيثَ بِالْآيَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِيثَاقَ الَّذِي ذَكَرَ فِي الْآيَةِ هُوَ الْمَعْرِفَةُ الْفِعْلِيَّةُ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إِلَى الدُّنْيَا أَحْيَاءً نَاطِقِينَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فَلَا يَلْزَمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنْ يَخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ، بَلْ هَذَا مِنْ حُسْنِ فَهْمِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ: إِذْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الْآيَةِ، وَفَسَّرَ كُلًّا مِنْهُمَا بِالْآخَرِ. وَقَدْ قَالَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، وَأَحْسَنُ مَا فُسِّرَتْ بِهِ الْآيَةُ قَوْلُهُ - ﷺ -: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ: فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ» " فَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ، وَالْإِشْهَادُ الَّذِي أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَالْإِقْرَارُ الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ هُوَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَحْتَجُّ
فَإِنْ قِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُنْكِرْ هَذَا، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ الْمِيثَاقَ الْأَوَّلَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ حِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ، وَالْإِقْرَارَ غَيْرُ حَاصِلَيْنِ مِنَ الطِّفْلِ، فَصَحَّ إِنْكَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.
قِيلَ: ابْنُ قُتَيْبَةَ إِنَّمَا قَالَ: الْفِطْرَةُ هِيَ خَلْقُهُ فِي كُلِّ مَوْلُودٍ مَعْرِفَةً بِرَبِّهِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ الْمَعْرِفَةُ حَاصِلَةً فِي الْمَوْلُودِ بِالْفِعْلِ، وَتَشْبِيهُهُ الْحَدِيثَ بِالْآيَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِيثَاقَ الَّذِي ذَكَرَ فِي الْآيَةِ هُوَ الْمَعْرِفَةُ الْفِعْلِيَّةُ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إِلَى الدُّنْيَا أَحْيَاءً نَاطِقِينَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فَلَا يَلْزَمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنْ يَخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ، بَلْ هَذَا مِنْ حُسْنِ فَهْمِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ: إِذْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى الْآيَةِ، وَفَسَّرَ كُلًّا مِنْهُمَا بِالْآخَرِ. وَقَدْ قَالَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، وَأَحْسَنُ مَا فُسِّرَتْ بِهِ الْآيَةُ قَوْلُهُ - ﷺ -: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ: فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ» " فَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ، وَالْإِشْهَادُ الَّذِي أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَالْإِقْرَارُ الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ هُوَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَحْتَجُّ
948