أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية - أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي
فاحتيج أن يجعل آخر السعي المروة، ووجدنا في الحج أفعالًا من النحر والحلق وما أشبهه، وإن قدم بعضه على بعض فجاز ذلك، وإن كان فعل رسول الله - ﷺ - مخالفًا لمن قيل له: افعل ولا حرج. قال الله سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^١) وأجمعوا أنه من طاف ثم رمى وحلق أنه جائز، وقال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (^٢) وقال النبي - ﷺ - لمن قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج (^٣). وقال الله ﵎ للقاتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (^٤) وأجمعوا أن الدية إن قدمت جاز، وقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٥) ولا اختلاف أنه إن قدم العمرة وهو ضرورة أجزأه، والعمرة عند الشافعي فرض (^٦)، وكانوا قد اتفقوا على أمر الصفا والمروة، فصار مخصوصًا بأن نبدأ بالصفا؛ إذ كان الطواف والسعي من شرع إبراهيم - ﷺ -، وكان النحر عند المروة لم يجز أن نبدأ إلا بالصفا؛ لأن التمام يقع عند المروة (^٧).
_________
(^١) [سورة الحج: الآية ٢٩]
(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]
(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦١٨ كتاب الحج باب الفتيا على الدابة عند الجمرة من حديث عبدالله بن عمرو، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٤٨ كتاب الحج حديث: ٣٢٧.
(^٤) [سورة النساء: الآية ٩٢]
(^٥) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]
(^٦) تقدم الحديث عن هذه المسألة في سورة البقرة آية ١٩٦.
(^٧) ذكر جملة من هذه الحجج ابن عبد البر في الاستذكار: ٢/ ٥٧.
ولعل الصواب في هذه المسألة هو قول من قال بفرضية الترتيب، ومما يدل على ذلك: أنه ورد في الآية قرينة تدل على فرضية هذا الترتيب وهي: أنه أدخل ممسوحًا بين المغسولات، والعرب لاتقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، وهي الترتيب ههنا، فإن قيل: هذه الفائدة تدل على أن الترتيب سنة، قيل: الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب ولهذا لم يذكر فيها شيء من السنن. ومما يدل على فرضية الترتيب غير ما في الآية: أن كل الذين وصفوا وضوء الرسول - ﷺ - وصفوه مرتبًا، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، أي: إلا بمثله، وهذا مفسر لما في الآية.
[أحكام القرآن الكياالهراس: ٣/ ٩٢، المغني: ١/ ١٩٠، المجموع: ١/ ٤٧٢، تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥].
قال ابن العربي: فالنظر الصحيح في ذلك أن يقال: تجب البداءة بما بدأ الله به وهو الوجه، كما قال النبي - ﷺ - حين حج وجاء إلى الصفا: نبدأ بما بدأ الله به، وكانت البداءة بالصفا واجبة. ويعضد هذا أن النبي - ﷺ - توضأ عمره كله مرتبًا ترتيب القرآن، وفعله هذا بيان مجمل كتاب الله تعالى، وبيان المجمل الواجب واجب، وهي مسألة خلاف عظمى قد بيناها في مسائل الخلاف وهذا هو الذي يختار فيها. [أحكام القرآن: ٢/ ٥٢].
وقال القرطبي: والصحيح أن يقال: إن الترتيب متلقى من وجوه أربعة الأول: أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال ﵊ حين حج: نبدأ بما بدأ الله به، الثاني: من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون، الثالث: من تشبيه الوضوء بالصلاة، الرابع: من مواظبة رسول الله - ﷺ - على ذلك. [الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٩٩].
_________
(^١) [سورة الحج: الآية ٢٩]
(^٢) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]
(^٣) رواه البخاري في صحيحه: ٢/ ٦١٨ كتاب الحج باب الفتيا على الدابة عند الجمرة من حديث عبدالله بن عمرو، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٩٤٨ كتاب الحج حديث: ٣٢٧.
(^٤) [سورة النساء: الآية ٩٢]
(^٥) [سورة البقرة: الآية ١٩٦]
(^٦) تقدم الحديث عن هذه المسألة في سورة البقرة آية ١٩٦.
(^٧) ذكر جملة من هذه الحجج ابن عبد البر في الاستذكار: ٢/ ٥٧.
ولعل الصواب في هذه المسألة هو قول من قال بفرضية الترتيب، ومما يدل على ذلك: أنه ورد في الآية قرينة تدل على فرضية هذا الترتيب وهي: أنه أدخل ممسوحًا بين المغسولات، والعرب لاتقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، وهي الترتيب ههنا، فإن قيل: هذه الفائدة تدل على أن الترتيب سنة، قيل: الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب ولهذا لم يذكر فيها شيء من السنن. ومما يدل على فرضية الترتيب غير ما في الآية: أن كل الذين وصفوا وضوء الرسول - ﷺ - وصفوه مرتبًا، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، أي: إلا بمثله، وهذا مفسر لما في الآية.
[أحكام القرآن الكياالهراس: ٣/ ٩٢، المغني: ١/ ١٩٠، المجموع: ١/ ٤٧٢، تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٥].
قال ابن العربي: فالنظر الصحيح في ذلك أن يقال: تجب البداءة بما بدأ الله به وهو الوجه، كما قال النبي - ﷺ - حين حج وجاء إلى الصفا: نبدأ بما بدأ الله به، وكانت البداءة بالصفا واجبة. ويعضد هذا أن النبي - ﷺ - توضأ عمره كله مرتبًا ترتيب القرآن، وفعله هذا بيان مجمل كتاب الله تعالى، وبيان المجمل الواجب واجب، وهي مسألة خلاف عظمى قد بيناها في مسائل الخلاف وهذا هو الذي يختار فيها. [أحكام القرآن: ٢/ ٥٢].
وقال القرطبي: والصحيح أن يقال: إن الترتيب متلقى من وجوه أربعة الأول: أن يبدأ بما بدأ الله به كما قال ﵊ حين حج: نبدأ بما بدأ الله به، الثاني: من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون، الثالث: من تشبيه الوضوء بالصلاة، الرابع: من مواظبة رسول الله - ﷺ - على ذلك. [الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٩٩].
1007