الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي - فضل الله بن حسن بن حسين بن يوسف أبو عبد الله، شهاب الدين التُّورِبِشْتِي
الأمور إلا ظواهرها فإنه خلق خلقًا لا يسلم من قضايا تحجبه عن حقائق الأشياء. ومن الجائز أن يسمع الشيء يسبق إلى وهمه أنه صدق ويكون الأمر بخلاف ذلك، وأنى إن تركت على ما جبلت عليه من القضايا البشرية ولم أؤيد بالوحي السماوي طرأ ما منها [٩٨/ب] ما يطرأ على سائر البشر. فإن قيل: أو لم يكن النبي - ﷺ - مصونًا في أقواله وأفعاله معصومًا على سائر أحواله؟
قلنا: غن العصمة تتحقق فيما يعد عليه دينًا ويقصده قصدًا. وما نحن فيه فليس بداخل في جملته، فإن الله تعالى لم يكلفه فيما لم ينزل عليه إلا ما كلف غيره، وهو الاجتهاد في الإصابة، يدل عليه ما روى عنه في الحديث الذي ترويه أم سلمة من غير هذا الوجه، وهو في حسان هذا الباب: (إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل على).
فإن قيل: أفيجوز أن يظن به في الحكم غير الحق وفي الاجتهاد سوى الإصابة قلنا: عوذًا بالله مما قدرت أو ما علمت أن كتمان الحق من الشهود واستمرار أحد المتداعيين على الباطل وعجز أحدهما عن تقرير الحق في نصابه لا يعود على الحاكم بخطأ أو جور، فإن ذلك لم ينشأ من قبله، ولم يكن من كسبه.
وجملة القول في هذا الباب أن نقول: إن النبي - ﷺ - اما كان أسوة للعالمين، أخذ به في أحكام الشريعة مسلكًا يتيسر للتابعين سلوكه، ويتضح للمتقدمين نهجه. ولو كشف له الغطاء، وأزيل له الخفاء في الأحكام الجارية بين العباد عن الحق الأبلج والصدق الصراح بالوحي السماوي، لم يدرك المؤتى به شأوه، ولم يعرف الناقل عنه مأخذه ومغزاه، ثم كان ذلك أيضًا سببًا لكشف الأسرار، وذريعة إلى هتك الأستار، وألجئ الخلق فيه إلى الحق من غير اختبار في أخبار الديانات، واختيار موجب للمتوبات والعقوبات، وبغيرهما جرت سنة الله في العباد والبلاد.
وقد كان المنافقون يأتون رسول الله - ﷺ - بالقول الزور، فيكتفي عنهم بالظاهر منه، إما لأن الله تعالى، زوي عنه علم ذلك، وإما لأن الله تعالى ائتمنه عليه فخصه به، وقد كان القاذف يحد، وربما كان صادقًا في حديثه فلا يبين له، وكذلك المتلاعنان، كل ذلك بعلم الله وأمره وقضائه وقدره في عباده ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة﴾ هذا، ومن تدبر هذا الفصل وتصور هذا القول، سهل له سبيل السلامة عما يكاد يحيك في النفوس، أو يختلج في الصدور من أحاديث هذا الباب، والله الملهم للصواب.
[٢٧٣٢] ومنه حديث عائشة﵂-[٩٩/أ] عن النبي - ﷺ - (قضى بيمين وشاهد) وجه هذا الحديث عند من لا يرى باليمين والشاهد الواحد على المدعى عليه أنه محتمل؛ لأن يكون قضى بيمين المدعي عليه بعد أن أقام [المدعي] شاهدًا واحدًا، وعجز أن يتم البينة، وذلك لأن الصحابي لم يبين في حديثه صيغة القضاء. وقد روي عن ابن عباس بطرق مرضية ان النبي - ﷺ - قضى باليمين مع
قلنا: غن العصمة تتحقق فيما يعد عليه دينًا ويقصده قصدًا. وما نحن فيه فليس بداخل في جملته، فإن الله تعالى لم يكلفه فيما لم ينزل عليه إلا ما كلف غيره، وهو الاجتهاد في الإصابة، يدل عليه ما روى عنه في الحديث الذي ترويه أم سلمة من غير هذا الوجه، وهو في حسان هذا الباب: (إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل على).
فإن قيل: أفيجوز أن يظن به في الحكم غير الحق وفي الاجتهاد سوى الإصابة قلنا: عوذًا بالله مما قدرت أو ما علمت أن كتمان الحق من الشهود واستمرار أحد المتداعيين على الباطل وعجز أحدهما عن تقرير الحق في نصابه لا يعود على الحاكم بخطأ أو جور، فإن ذلك لم ينشأ من قبله، ولم يكن من كسبه.
وجملة القول في هذا الباب أن نقول: إن النبي - ﷺ - اما كان أسوة للعالمين، أخذ به في أحكام الشريعة مسلكًا يتيسر للتابعين سلوكه، ويتضح للمتقدمين نهجه. ولو كشف له الغطاء، وأزيل له الخفاء في الأحكام الجارية بين العباد عن الحق الأبلج والصدق الصراح بالوحي السماوي، لم يدرك المؤتى به شأوه، ولم يعرف الناقل عنه مأخذه ومغزاه، ثم كان ذلك أيضًا سببًا لكشف الأسرار، وذريعة إلى هتك الأستار، وألجئ الخلق فيه إلى الحق من غير اختبار في أخبار الديانات، واختيار موجب للمتوبات والعقوبات، وبغيرهما جرت سنة الله في العباد والبلاد.
وقد كان المنافقون يأتون رسول الله - ﷺ - بالقول الزور، فيكتفي عنهم بالظاهر منه، إما لأن الله تعالى، زوي عنه علم ذلك، وإما لأن الله تعالى ائتمنه عليه فخصه به، وقد كان القاذف يحد، وربما كان صادقًا في حديثه فلا يبين له، وكذلك المتلاعنان، كل ذلك بعلم الله وأمره وقضائه وقدره في عباده ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة﴾ هذا، ومن تدبر هذا الفصل وتصور هذا القول، سهل له سبيل السلامة عما يكاد يحيك في النفوس، أو يختلج في الصدور من أحاديث هذا الباب، والله الملهم للصواب.
[٢٧٣٢] ومنه حديث عائشة﵂-[٩٩/أ] عن النبي - ﷺ - (قضى بيمين وشاهد) وجه هذا الحديث عند من لا يرى باليمين والشاهد الواحد على المدعى عليه أنه محتمل؛ لأن يكون قضى بيمين المدعي عليه بعد أن أقام [المدعي] شاهدًا واحدًا، وعجز أن يتم البينة، وذلك لأن الصحابي لم يبين في حديثه صيغة القضاء. وقد روي عن ابن عباس بطرق مرضية ان النبي - ﷺ - قضى باليمين مع
866