أحكام القرآن لبكر بن العلاء - رسائل جامعية - أبو الفضل بكر بن محمد بن العلاء القشيري البصري المالكي
ففرض الجهاد الآن على الكافة، ينوب بعضهم عن بعض، ولا تتعطل مساجدهم وجمعاتهم وصلواتهم، فكان الجهاد واجبًا على كل مسلم يطيق الجهاد، ولم يكن يجوز لأحد أن يتخلف إلا بأمر رسول الله - ﷺ -، وكذلك كانت الهجرة واجبة فلما فتحت مكة سقطت الهجرة؛ لأن النبي - ﷺ - قال: لا هجرة بعد الفتح (^١). وكان الناس بعد ذلك يغزون ويرجعون إلى مواضعهم فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٢) (^٣) فصارت الجماعة مندوبة، وينوب بعضهم عن بعض، فسقط الفرض الذي على الجملة، وصار ندبًا للكافة، فإن هجم أمر يحتاج فيه إلى الجملة وجب عليهم ذلك، والله أعلم (^٤).
_________
(^١) قال - ﷺ -: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا. رواه البخاري في صحيحه: ... ٣/ ١٠٢٥ باب فضل الجهاد والسير من كتاب الجهاد، ٣/ ١٠٤٠ باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية، ٣/ ١١٢٠ باب لا هجرة بعد الفتح، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٤٨٧ الإمارة، حديث: ٨٥، ٨٦.
(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٤٤]
(^٣) لم أعرف ما وجه الاستشهاد بهذه الآية، فغاية ما في الآية الأمر بالقتال في سبيل الله، وبيان أن الحذر لا يقي من القدر، وأن الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلًا ولا يبعده. [انظر تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩٩].
(^٤) اختلف أهل العلم في حكم هذه الآية، فذهب عطاء، والأوزاعي إلى أن الجهاد تطوع، وأن المراد من هذه الآية أصحاب رسول الله - ﷺ - دون غيرهم، وإليه ذهب الثوري.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الجهاد فرض واجب على كافة المسلمين إلى قيام الساعة، وإليه ذهب سعيد بن المسيب.
والذي عليه جمهور أهل العلم: أن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، مثل صلاة الجنازة، ورد السلام، إلا أن ينزل العدو بساحة للإسلام فهو حينئذ فرض عين.
[انظر تفسير ابن جرير: ٢/ ٣٤٤، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٠٥، تفسير البغوي: ١/ ٢٤٦، والمحرر الوجيز: ٢/ ١٥٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٨].
قلت: ولعل القول بأنه فرض واجب على كافة المسلمين إلى قيام الساعة هو الصحيح؛ لأن هذا هو الذي يفهم من ظاهر الآية، ولكن فرضيته على كل واحد تختلف بحسبه، فأقل أحواله أن يحدث الإنسان نفسه بالغزو، أو أن يشارك بماله، أو أن يخلف مجاهدًا في أهله، روى الإمام مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥١٧ كتاب الإمارة حديث: ١٥٨ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق. وعن زيد بن خالد أن رسول الله - ﷺ - قال: من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا. رواه البخاري في صحيحه: ٣/ ١٠٤٦ باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير كتاب الجهاد، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٠٥٧ الإمارة حديث: ١٣٥.
قال ابن القيم: والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين، إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع.
أما الجهاد بالنفس ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان، والصحيح وجوبه؛ لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء. ... [زاد المعاد: ٣/ ٧٢].
_________
(^١) قال - ﷺ -: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا. رواه البخاري في صحيحه: ... ٣/ ١٠٢٥ باب فضل الجهاد والسير من كتاب الجهاد، ٣/ ١٠٤٠ باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية، ٣/ ١١٢٠ باب لا هجرة بعد الفتح، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٤٨٧ الإمارة، حديث: ٨٥، ٨٦.
(^٢) [سورة البقرة: الآية ٢٤٤]
(^٣) لم أعرف ما وجه الاستشهاد بهذه الآية، فغاية ما في الآية الأمر بالقتال في سبيل الله، وبيان أن الحذر لا يقي من القدر، وأن الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلًا ولا يبعده. [انظر تفسير ابن كثير: ١/ ٢٩٩].
(^٤) اختلف أهل العلم في حكم هذه الآية، فذهب عطاء، والأوزاعي إلى أن الجهاد تطوع، وأن المراد من هذه الآية أصحاب رسول الله - ﷺ - دون غيرهم، وإليه ذهب الثوري.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الجهاد فرض واجب على كافة المسلمين إلى قيام الساعة، وإليه ذهب سعيد بن المسيب.
والذي عليه جمهور أهل العلم: أن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، مثل صلاة الجنازة، ورد السلام، إلا أن ينزل العدو بساحة للإسلام فهو حينئذ فرض عين.
[انظر تفسير ابن جرير: ٢/ ٣٤٤، أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٢٠٥، تفسير البغوي: ١/ ٢٤٦، والمحرر الوجيز: ٢/ ١٥٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٨].
قلت: ولعل القول بأنه فرض واجب على كافة المسلمين إلى قيام الساعة هو الصحيح؛ لأن هذا هو الذي يفهم من ظاهر الآية، ولكن فرضيته على كل واحد تختلف بحسبه، فأقل أحواله أن يحدث الإنسان نفسه بالغزو، أو أن يشارك بماله، أو أن يخلف مجاهدًا في أهله، روى الإمام مسلم في صحيحه: ٣/ ١٥١٧ كتاب الإمارة حديث: ١٥٨ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق. وعن زيد بن خالد أن رسول الله - ﷺ - قال: من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا. رواه البخاري في صحيحه: ٣/ ١٠٤٦ باب فضل من جهز غازيًا أو خلفه بخير كتاب الجهاد، ومسلم في صحيحه: ٣/ ١٠٥٧ الإمارة حديث: ١٣٥.
قال ابن القيم: والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين، إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع.
أما الجهاد بالنفس ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان، والصحيح وجوبه؛ لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء. ... [زاد المعاد: ٣/ ٧٢].
568