زبدة النهاية لعمدة الرعاية - صلاح أبو الحاج
كتاب الوديعة
ولو أودعَ الغاصبُ ضَمَّن أيُّهما شاء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وقالا: يُضَمِّنُ أيُّهما شاء، فإن ضَمَّنَ الأَوَّل لم يَرْجِعْ على الثَّاني، وإن ضَمَّن الثَّاني رَجَعَ على الأَوَّل.
(ولو أَودعَ الغاصبُ [1] ضَمَّن أيُّهما شاء)، هذا بالاتفاق فهما قاسا مُودَعَ المودَعِ على مُودَعِ الغاصب، فإنّ المودَعَ إذا دَفَعَ إلى الأجنبي صارَ غاصباً
===
المودَعُ الأوّل فقط، وهذا عند الإمام، وعندها وكذا عند الأئمَّة الثلاثةِ يخيَّرُ المالكِ في التضمين، فيضمِّنَ أيّهما شاء؛ لأنَّ الأوّل خائنٌ بالتسليم إلى الثاني بغير إذنِ المالك، والثاني تعدَّى بالقبضِ بغيرِ إذنه.
فيميلُ المالكُ إلى أيِّهما شاء، كالغاصب، وغاصب الغاصب، أو الغاصب ومودع الغاصب، أو الغاصب والمشتري من الغاصب، حيث يُضَمِّنُ المالكُ أيّهما شاء، فإن ضمنَ الأوَّل لم يرجعْ على الثاني؛ لأنّه بالضمان ملكه، فتبيَّن أنّه أودعَ أو باعَ ملك نفسه، وإن ضمنَ المودَعُ أو المشتري رجعَ على الأوّل؛ لأنّه في القبض مغرورٌ من جهة، فيرجعُ عليه بما ضمنَ بسببه.
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: إنَّ الأوَّل لا يضمنُ بالدَّفعِ إلى الثاني ما لم يفارقه؛ لأنَّ حفظَه لا يفوتُ ما دامَ في مجلسه، والمالكُ إنّما رضيَ بحفظه [ورأيه] لا لصورةِ يده، فإذا فارقَ الأوَّل الثاني ضمنَ بالتضييع بتركِ الحفظِ الملتزم له بالعقد، والثاني أَمينٌ استمرَّ على الحالةِ الأُولى ولم يوجد منه صنعٌ يجب به الضمان، فلم يضمن، وصارَ هذا في حقِّه كثوبٍ ألقته الريحُ في حجرة فهلك من غير صنعه، فإنّه لا يضمنُ باستمراره في حجره، فكذا هذا، والجامع بينهما أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لم يكن متعدّياً في الابتداء، فلا ينقلب متعدياً من غير إحداث فعل في الانتهاء (¬1).
[1] قوله لو أودع الغاصب ... الخ؛ يعني ولو أودعَ الغاصبُ المغصوبَ عند غيره ضَمَّنَ المغصوبُ منه أيّاً شاءَ من الغاصب ومودعه إجماعاً؛ لأنَّ الثاني صار مثل الأوَّل في التلقي منه ابتداءً بعدم إذن المالك، فكذا بقاء.
ثمّ مودع الغاصب إن لم يعلم أنّه غاصبٌ يرجعُ على الغاصبِ قولاً واحداً، وإن
¬__________
(¬1) ينظر: «كمال الدراية» (ق475)، و «التبيين» (5: 82 - 83).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
هذا عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه -، وقالا: يُضَمِّنُ أيُّهما شاء، فإن ضَمَّنَ الأَوَّل لم يَرْجِعْ على الثَّاني، وإن ضَمَّن الثَّاني رَجَعَ على الأَوَّل.
(ولو أَودعَ الغاصبُ [1] ضَمَّن أيُّهما شاء)، هذا بالاتفاق فهما قاسا مُودَعَ المودَعِ على مُودَعِ الغاصب، فإنّ المودَعَ إذا دَفَعَ إلى الأجنبي صارَ غاصباً
===
المودَعُ الأوّل فقط، وهذا عند الإمام، وعندها وكذا عند الأئمَّة الثلاثةِ يخيَّرُ المالكِ في التضمين، فيضمِّنَ أيّهما شاء؛ لأنَّ الأوّل خائنٌ بالتسليم إلى الثاني بغير إذنِ المالك، والثاني تعدَّى بالقبضِ بغيرِ إذنه.
فيميلُ المالكُ إلى أيِّهما شاء، كالغاصب، وغاصب الغاصب، أو الغاصب ومودع الغاصب، أو الغاصب والمشتري من الغاصب، حيث يُضَمِّنُ المالكُ أيّهما شاء، فإن ضمنَ الأوَّل لم يرجعْ على الثاني؛ لأنّه بالضمان ملكه، فتبيَّن أنّه أودعَ أو باعَ ملك نفسه، وإن ضمنَ المودَعُ أو المشتري رجعَ على الأوّل؛ لأنّه في القبض مغرورٌ من جهة، فيرجعُ عليه بما ضمنَ بسببه.
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: إنَّ الأوَّل لا يضمنُ بالدَّفعِ إلى الثاني ما لم يفارقه؛ لأنَّ حفظَه لا يفوتُ ما دامَ في مجلسه، والمالكُ إنّما رضيَ بحفظه [ورأيه] لا لصورةِ يده، فإذا فارقَ الأوَّل الثاني ضمنَ بالتضييع بتركِ الحفظِ الملتزم له بالعقد، والثاني أَمينٌ استمرَّ على الحالةِ الأُولى ولم يوجد منه صنعٌ يجب به الضمان، فلم يضمن، وصارَ هذا في حقِّه كثوبٍ ألقته الريحُ في حجرة فهلك من غير صنعه، فإنّه لا يضمنُ باستمراره في حجره، فكذا هذا، والجامع بينهما أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لم يكن متعدّياً في الابتداء، فلا ينقلب متعدياً من غير إحداث فعل في الانتهاء (¬1).
[1] قوله لو أودع الغاصب ... الخ؛ يعني ولو أودعَ الغاصبُ المغصوبَ عند غيره ضَمَّنَ المغصوبُ منه أيّاً شاءَ من الغاصب ومودعه إجماعاً؛ لأنَّ الثاني صار مثل الأوَّل في التلقي منه ابتداءً بعدم إذن المالك، فكذا بقاء.
ثمّ مودع الغاصب إن لم يعلم أنّه غاصبٌ يرجعُ على الغاصبِ قولاً واحداً، وإن
¬__________
(¬1) ينظر: «كمال الدراية» (ق475)، و «التبيين» (5: 82 - 83).