اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

زبدة النهاية لعمدة الرعاية

صلاح أبو الحاج
زبدة النهاية لعمدة الرعاية - صلاح أبو الحاج

0130الحبس وكتاب القاضي

................................................................................................................
1. ـــــــــــــــــــــــــــــ
مخالفاً للكتابِ كمتروكِ التسميةِ [1] عامداً، فإنَّهُ مخالفٌ [2]؛ لقولِهِ - جل جلاله -: {ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه} (¬1).
2. أو السُّنَّةِ المشهورةِ: كالقضاءِ بحِلِّ المطلقةِ ثلاثاً بنكاحِ الزَّوجِ الثَّاني بلا وطءٍ على مذهبِ سعيد بن المسيب (¬2) - رضي الله عنه -[3]
===
[1] قوله: كمتروك التسمية؛ وصورتُهُ: أن يعلمَ أنَّ التسميةَ شرطٌ، وتركَها مع ذِكْرِها، أمّا إذا تركها غير عالمٍ باشتراطها، فهو في حكمِ الناسي. كما صرّحوا به.
وقيدُ العمد؛ لإخرج صورةُ النسيان، فإن مَن تركها ناسياً فذبيحته تؤكل، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: ذبيحةُ تاركِ التسميةِ في الوجهين تؤكل، وتفصيلُ الدلائلِ سيأتيك إن شاء الله - جل جلاله - في «كتاب الذبائح».
[2] قوله: فإنّه مخالفٌ لقوله تعالى ... الخ، بناءً على أنّ الواو في قولِهِ - جل جلاله -: {وإنه لفسق} (¬3) للعطف، والضميرُ راجعٌ إلى مصدرِ الفعل الذي دخل عليه حرفُ النهي أو إلى الموصول، واحتمالُ كونها حاليّة، فتكون قيداً للنّهي.
ردَّ بأنَّ التأكيد بأن واللام ينفيه؛ لأنَّ الحال في النهي مبناهُ على التقدير؛ كأنّه قيل: لا تأكلوا إن كان فاسقاً فلا يصلح، وإنّه لفسق، بل هو فسق، ولو سلّم فلا نُسلِّم، أنّه قيد للنهي، بل هو إشارة في المعنى الموجبُ له فلا تُهِن زيداً وهو أخوك، ولا تشربْ الخمر وهو حرام عليك. كذا في «المحيط» نقلاً عن «النوازل».
إذا قضى بحلّ متروكِ التسمية عامداً ينفذُ عند أبي حنيفةَ - رضي الله عنه - خلافاً لأبي يوسف - رضي الله عنه -. ذكره البِرْجَنْدِيّ؛ ولذا قال القُهُسْتَانِيُّ (¬4): والأحسنّ أن يُمثِّلَ بالقضاء بتقديم الوارثِ على المديون، فإن الأوَّلَ نافذٌ عن الطرفين. كذا في «المغني»، وغيره. انتهى.
[3] قوله: على مذهبِ سعيدِ بن المسيَّب - رضي الله عنه -؛ ـ بفتح الياء المشدَّدة ـ، وقيل:
..........................................................................................................................
فإنَّه مخالفٌ للسُّنَّةِ المشهورةِ، وهي قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -[1]: «لا حتَّى تذوقي من عسيلته ويذوقَ من عسيلتكِ» (¬5) الحديث.
بكسرها، بن حَزَن بن أبي وهب بن عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم القرشيّ المدنيّ، ولد بسنتين مضتا من خلافةِ عمر - رضي الله عنه -، كان من أفقه التابعين، وأحدُ الفقهاءِ السبعة بالمدينة.
وكان أحفظ النَّاسِ لأحكامِ عمر - رضي الله عنه - وأقضيته، وكان له بضاعةٌ يتَّجر بها، وحجَّ أربعينَ حجّة، وما فاته التكبيرةُ الأولى منذ خمسين سنة، وصلَّى الصبحَ بوضوء العشاء خمسين سنة.
قال قتادةُ في شأنه: ما رأيتُ أحداً قطّ أعلم بالحلال والحرام منه، وقال محمّد بن إسحاق عن مكحول: طفتُ الأرضَ كلَّها فما رأيتُ أعلم منه، وروى عن جماعةٍ من الصحابة؛ كعمر، وعثمان، وعليّ، وسعد بن أبي وقاص، وابن عبّاس، وابن عمر، وأبي هريرة وغيرهم.
وتوفّي في سنةِ ثلاثٍ وتسعين، أو أربع وتسعين، رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين، هذا والتفصيل في «تاريخِ ابن خَلِّكَان» (¬6)، و «تهذيب الكمال» (¬7)، وغيرهما من التواريخ المعتبرة.
قال الزَّيْلَعِيُّ - رضي الله عنه - في «تخريجِه» (¬8): في «سنن ابن منصور»: عن ابن المسيّب - رضي الله عنه - قال: الناسُ يقولون حتى يجامعَها، وأمّا أنا أقول إذا تزوّجها نكاحاً صحيحاً، فإنها تحلّ للأوّل، واستغربَ هذا من سعيد حتى قيل: إن الحديثَ لم يبلغْه كما استغربَ من الحسن - رضي الله عنه - أنّه يشترطُ الإنْزالُ نظراً إلى معنى العسلية. انتهى.
[1] قوله: قوله - صلى الله عليه وسلم -؛ قد روي هذا الحديث بألفاظٍ مختلفة، روى الأئمَّةُ الستَّةُ في
..........................................................................................................................
أو للإجماعِ كالقضاءِ بحلِّ متعةِ النِّساء [1]؛ لأنَّ الصحابةَ أجمعوا على فسادِه.
كتبِهم عن عائشةَ رضي الله تعالى عنها: قالت: «سُئلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجلٍ طلَّق امرأته فتزوَّجت زوجاً غيرَه فدخل بها، ثمَّ طلَّقَها قبل أن يواقعَها أتحلُّ لزوجِها الأوّل، قال: لا حتى يذوقَ الآخرُ من عسيلتِها ما ذاقَ الأوّل».
وروى الجماعةُ إلاَّ أبا داود عن الزُّهْرِيِّ عن عروةَ عن عائشةَ قالت: «جاءت امرأة رفاعةَ القرظيّ إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كنت عند رفاعةَ فطلَّقني، فأبتَّ طلاقي، فتزوّجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب، فتبسَّم - صلى الله عليه وسلم -، وقال: أتريدينَ أن ترجعي إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته ويذوقُ عسيلتك» (¬9)، والتفصيلُ في «نصب الراية» (¬10) إن شئتَ فارجعْ إليها.
[1] قوله: بحلّ متعة النساء؛ أي بجوازِ نكاحِ المتعة، ونكاحُ المتعة أن يقول لامرأة: أتمتعُ بك كذا مُدَّة بكذا من المال، وهو كان مباحاً بين أيّام خيبرَ وأيّام فتحِ مكّة، إلاَّ أنّه صار منسوخاً بإجماعِ الصحابةِ - رضي الله عنهم -، حتى لو قضى بجوازِه لم يجز ولو أباحَه صار كافراً. كما في «المضمرات».
وقال في «الهداية» (¬11): قال مالك - رضي الله عنه -: هو جائز. انتهى. وقال في «الفتح» (¬12): نسبته إلى مالك - رضي الله عنه - غلط، ولا خلافَ فيه بين الأئمّةِ وعلماءِ الأمصارِ إلا طائفةٌ من الشيعة. انتهى.
وقال في «البناية» (¬13): لم يذكرْ في كتابٍ من كتب المالكيّة أنّها تجوز، مع أنَّ مالكاً - رضي الله عنه - روى في «الموطأ» حديث عليٍّ - رضي الله عنه -: «إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن متعةِ النساء يوم خيبر» (¬14)، وعادتُهُ أن لا يرويَ حديثاً في «الموطأ» إلا وهو يذهب إليه، ويعمل به. انتهى.
...................................................................................................................
فحاصلُ هذا أنَّ القاضي إذا قَضَى في مُجْتَهَدٍ فيه يصيرُ [1] مُجْمَعَاً عليه، فيَجِبُ [2] على قاضٍ آخرَ تنفيذُه، وهذا حُكْمٌ في وفقِ مذهبِه، أمَّا إذا حَكَمَ على خلافِ مذهبِهِ فسيأتي.
ويَجِبُ أن يعلمَ [3] القاضي أن المسألةَ مختلفٌ فيها، وأيضاً هذا إذا كان محلُّ القضاءِ مختلفاً فيه
[1] قوله: يصير؛ أي المختلفُ فيه مجمعاً عليه؛ لأنَّ الخلافَ الموجودَ قبل القضاءِ يرتفعُ به كما يرتفعُ بإجماعِ العلماء على قولٍ بعد اختلافهم على قولين في العصر الذي قبله. كذا في «كمال الدراية».
[2] قوله: فيجب ... الخ؛ سواءً كان على وفقِ رأيهِ أو على خلافه؛ لأنَّ القضاءَ متى لاقى مجتهداً فيه ينفذ، ولا ينقضُ باجتهادٍ آخر؛ لأنَّ اجتهادَ الثاني كاجتهادِ الأوّل، وقد ترجَّحَ القولُ باتِّصالِ القضاء به، فلا ينقضُ بما دونَه.
وروى عن محمَّدٍ - رضي الله عنه - أنّ كلَّ شيءٍ اختلفَ فيه الفقهاء فقضى فيه القاضي كان قضاؤه جائزاً، ولم يكن لقاضٍ آخر أن يبطلَه، قال الفقيه أبو اللّيث - رضي الله عنه -: وبه نأخذ. كذا في «الفصول العمادية» وغيرها.
[3] قوله: ويجب أن يعلم ... الخ؛ قال الزَّيْلَعِيُّ في «شرح الكنز» (¬15): قالوا: شرطُه أن يكون عالماً باختلاف [العلماء] حتى لو قضى في فصلٍ مجتهدٍ فيه، وهو لا يعلمُ ذلك لا يجوز قضاؤه عند عامَّتهم، ولا يمضيه الثاني. ذكره في «النهاية» معزياً إلى «المحيط»، وقال فيه شمسُ الأئمّة - رضي الله عنه -: هذا هو ظاهرُ المذهب. انتهى.
وقال في «المنح» (¬16): وفي «الفواكه البدرية» لابن الغرس، قال: هل يشترطُ لنفوذِ القضاءِ على المخالف علم القاضي بالخلاف في المحكوم به، اختلفوا فيه؛ ورجَّحَ غيرُ واحدٍ أنّه ليس بشرط، فينفذُ على المخالف، عَلِمَ القاضي بالخلاف في المسألةِ أم لم يَعْلَم. انتهى. أقول: ينبغي عدمُ اشتراطِ العلمِ بالخلاف لا سيما في زماننا، فإنّ قضاةَ زماننا لا معرفة لهم بمذاهبهم، فضلاً عن علمهم بمذاهبِ بقيَّةِ المجتهدين، والله أعلم.

¬__________
(¬1) من سورة الأنعام، الآية (121).
(¬2) شكك الحافظ ابن كثير في صحة نسبة هذا القول إليه، ومال الدكتور هاشم جميل إلى رأيه بتأويل ما صح من قول ابن المسيب: أما الناس فيقول: حتى يجامعها، وأما أنا فإني أقول: إذا تزوجها بتزوج صحيح، لا يريد بذلك احلالاً، فلا بأس أن يتزوجها الأول. لأنه راوي لحديث العسيلة، فيكون قوله هذا قبل وصول الحديث له. والظاهر أن هذا لا يقوم حجّة على عدم نسبة القول إليه. والتفصيل في «فقه سعيد بن المسيب» (3: 351 - 360).
(¬3) الأنعام: 121.
(¬4) في «جامع الرموز» (2: 228).
(¬5) وهو من حديث عائشة - رضي الله عنه -، قال: «جاءت امرأة رفاعة القرظي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فأبت طلاقي، فتزوَّجتُ عبد الرحمن بن الزبير إنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» في «صحيح البخاري» 2: 933)، واللفظ له، و «صحيح مسلم» (2: 1056)، وغيرهما.
(¬6) «وفيات الأعيان» (2: 378).
(¬7) «تهذيب الكمال» (11: 66 - 75).
(¬8) «نصب الراية» (3: 238).
(¬9) في «صحيح البخاري» (2: 933)، و «صحيح مسلم» (2: 1057)، و «سنن الترمذي» (3: 426)، و «سنن النسائي» (3: 352)، و «سنن ابن ماجة» (1: 621)، وغيرها.
(¬10) «نصب الراية» (3: 237).
(¬11) «الهداية» (2: 295).
(¬12) «فتح القدير» (3: 247).
(¬13) «البناية» (4: 99).
(¬14) في «الموطأ» (2: 542)، وغيره.
(¬15) «تبيين الحقائق» (4: 189).
(¬16) «منح الغفار» (ق2: 103/ب).
المجلد
العرض
39%
تسللي / 1260