أيقونة إسلامية

زبدة النهاية لعمدة الرعاية

صلاح أبو الحاج
زبدة النهاية لعمدة الرعاية - صلاح أبو الحاج

0134الاختلاف في الشهادة

ولو شهدا بقتل زيدٍ يوم كذا بمكّة، وآخران بقتلِهِ فيه بكوفةَ ردَّتا، فإن قَضَى بأحدِهما، ثُمَّ قامت الأُخرى ردُّتْ هي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
على الذي يعلمُ قضاءَ البعضِ أن لا يشهدَ حتَّى يُقِرَّ المدَّعي عند النَّاس بما قبضَ؛ لئلا يتضرَّرَ المدَّعي عليه. وذَكَرَ الطَّحَاوِيّ (¬1) عن أَصحابِنا - رضي الله عنه -: أَنّ شهادتَهُ لا تُقْبَل، وهو قولُ زُفَرَ - رضي الله عنه -؛ لأنَّ [1] المدَّعي يكذِّبُ شاهدَ قضاءِ البعض. قلنا [2]: الإكذاب في غيرِ المشهودِ به لا يمنعُ القبول.
(ولو شهدا بقتل زيدٍ يوم كذا بمكّة، وآخران بقتلِهِ فيه بكوفةَ ردَّتا): أي شَهِدَ بقتلِ زيدٍ في ذلك اليومِ بكوفةَ ردِّتْ البيِّنات؛ لأنَّ أحدَهما كاذبةٌ بيقين [3]، وليست إحداهما أَوْلى من الأُخرى، (فإن قَضَى بأَحدِهما، ثُمَّ قامت الأُخرى ردُّتْ هي)؛ لأنَّ الأُولَى تَرَجَّحت [4] باتصالِ القضاءِ بها، فلا ينتقضُ بالثَّانية.
===
[1] قوله: لأنَّ المدَّعي يكذب شاهدَ قضاء البعض؛ وهو تفسيق له، فبقي واحد فلا تقبل؛ لعدم كمال النصاب.
[2] قوله: قلنا: هذا إكذاب ... الخ؛ وبيانه: إنَّ الشاهدين إذا شهدا لإنسانٍ بمال، ثم شهدا عليه بمالٍ لإنسانٍ آخر، فكذَّبهما المشهود عليه الذي هو مشهودٌ له، يقضى بما شهدا له، وإن كان يفسِّقهما فيما شهدا عليه؛ لأنَّ هذا تفسيقٌ عن اضطرار، والموجبُ للردِّ هو التفسيقُ عن اختيار.
وكذلك لو شهدَ الشاهدان لرجلٍ على رجلٍ بألفِ درهمٍ ومئة دينار، فكذَّبهما المشهودُ له في المئة الدينار، تقبلُ شهادتهما، ثمَّ هاهنا كذَّبه فيما شهدا عليه وهو القضاء، فلا يقدح في شهادتِه له. كذا في «الكفاية» (¬2).
[3] قوله: كاذبة بيقين؛ لأنّ الفعلَ الواحد وهو القتل لا يمكن أن يقعَ في مكانين.
[4] قوله: ترجَّحت ... الخ؛ لأنّه لمَّا حكمَ أنّه قتلَ بمكَّة صار ذلك حكماً بأنّه لم يقتلْ في غيرها، إذ قتلُ شخصٍ واحدٍ في مكانين لا يتصوَّر، وهذا نظير مسألة التحرّي.

¬__________
(¬1) قال الطحاوي في «مختصره» (ص343): روي عن أبي يوسف - رضي الله عنه - أنه قال: لا تقبل شهادة الشاهد الذي شهد على القضاء؛ لأنه شهد على أن لا شيء للمدّعي على المدّعى عليه مما يطالبه به، وبه نأخذ.
(¬2) «الكفاية» (6: 506).
المجلد
العرض
48%
تسللي / 1260