زبدة النهاية لعمدة الرعاية - صلاح أبو الحاج
كتاب الدعوى
........................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ويمكن أن يقال [1]: لمَّا لم يجزِ البذلُ في هذه الأشياء لا يجعلُ النكولُ بذلاً، فيحمل على الإقرار، وفي «فتاوى قاضي خان» (¬1) - رضي الله عنه -: أن الفتوى على قولهما في النكاح.
===
وإنّما جازَ من المكاتَبِ والعبدِ والصبيِّ المأذونِ لهما؛ لأنَّ [فيه] ضرورةً، فيدخلُ تحتَ الإذنِ في التجارة، كما تدخلُ الضيافةُ اليسيرةُ والهديةُ اليسيرة، إذ لا بُدَّ للتجارةِ من ذلك، وإنّما جازَ في الدَّينِ بناءً على دعوى المدَّعي.
ومعنى البذل: تركُ المنع، وتركُ المنعِ جائزٌ في المال؛ لأنَّ أمرَ المالِ هيِّن، بخلافِ هذه الأشياءِ السبعة، وإنّما وجبَ على القاضي أن يقضيَ بالنكولِ بحكمِ الشرعِ لِمَا أنَّ المدَّعي كان له الشيءُ المدَّعى ظاهراً، وأبطلَهُ المنكرُ بالنِّزاع، والشرعُ أبطلَ نزاعَهُ إلى اليمين.
فإذا امتنعَ اليمينُ عادَ الأصلُ بحكمِ الشرع، وإنّما صحَّ إيجابُهُ بالذمَّةِ ابتداءً بناءً على زعمِ المدَّعي أنّه مُحِقٌّ، وأنَّ معنى البذلِ تركُ المنع، ولئن كان بذلاً حقيقةً، فالمالُ يجبُ فيه في الذمَّةِ ابتداءً كالكفالةِ والحوالة.
وذكرَ في «شرحِ الجامعِ» لقاضي خان - رضي الله عنه -، و «الواقعات»، و «الفصول»: إنَّ الفتوى على قولهما، وهو اختيارُ فخرِ الإسلام - رضي الله عنه -، وقيل: هو اختيارُ المتأخّرين.
وقيل: ينبغي للقاضي أن ينظرَ في حالِ المدَّعي فإن رآه مُتَعَنِّتاً يأخذُ بقولهما ويحلِّفُه، وإن رآهُ مظلوماً لا يحلِّفُه، وهو نظيرُ ما اختارَهُ شمسُ الأئمَّةِ - رضي الله عنه - في التوكيلِ بالخصومة لغيرِ رضاءِ الخصم: إنَّ القاضي إن رأى من الخصمِ التعَنُّت وقصدَ الإضرارَ بالآخرِ قبل التوكيلِ بغيرِ رضاه، وإلاَّ فلا.
ثمَّ اعلم أنّه إذا لم يستحلفْ المنكرَ عند الإمامِ في النسبِ هل تقبلُ بيّنةُ المدَّعي؟ ينظرُ: فإن كان نسباً يثبت بالإقرارِ، وتقبلُ بيِّنتُه مثلُ: الولدِ، والوالدِ، وإن لم يثبتْ بإقرارِهِ لا تقبلُ بيِّنتُه مثلُ: الجدِّ، وولدِ الولد، والأعمامِ، والأخوةِ، وأولادهم؛ لأنَّ فيه حملُ النسبِ على الغيرِ بخلافِ دعوى المولى الأعلى أو الأسفل حيث تقبلُ، وإن ادّعى أنه مُعْتَقُ جَدِّه، ونحو ذلك، والتفصيلُ في «السراجِ الوهّاج» وغيره (¬2).
[1] قوله: ويمكن أن يقال ... الخ؛ قال يعقوب باشا (¬3): فيه كلام، وهو أنَّ الفرقَ
¬__________
(¬1) «فتاوى قاضي خان» (2: 429)، وعبارته: والفتوى على قولهما فيه لعموم البلوى.
(¬2) ينظر: «التبيين» (4: 298).
(¬3) في «حاشيته» (ق139/أ).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ويمكن أن يقال [1]: لمَّا لم يجزِ البذلُ في هذه الأشياء لا يجعلُ النكولُ بذلاً، فيحمل على الإقرار، وفي «فتاوى قاضي خان» (¬1) - رضي الله عنه -: أن الفتوى على قولهما في النكاح.
===
وإنّما جازَ من المكاتَبِ والعبدِ والصبيِّ المأذونِ لهما؛ لأنَّ [فيه] ضرورةً، فيدخلُ تحتَ الإذنِ في التجارة، كما تدخلُ الضيافةُ اليسيرةُ والهديةُ اليسيرة، إذ لا بُدَّ للتجارةِ من ذلك، وإنّما جازَ في الدَّينِ بناءً على دعوى المدَّعي.
ومعنى البذل: تركُ المنع، وتركُ المنعِ جائزٌ في المال؛ لأنَّ أمرَ المالِ هيِّن، بخلافِ هذه الأشياءِ السبعة، وإنّما وجبَ على القاضي أن يقضيَ بالنكولِ بحكمِ الشرعِ لِمَا أنَّ المدَّعي كان له الشيءُ المدَّعى ظاهراً، وأبطلَهُ المنكرُ بالنِّزاع، والشرعُ أبطلَ نزاعَهُ إلى اليمين.
فإذا امتنعَ اليمينُ عادَ الأصلُ بحكمِ الشرع، وإنّما صحَّ إيجابُهُ بالذمَّةِ ابتداءً بناءً على زعمِ المدَّعي أنّه مُحِقٌّ، وأنَّ معنى البذلِ تركُ المنع، ولئن كان بذلاً حقيقةً، فالمالُ يجبُ فيه في الذمَّةِ ابتداءً كالكفالةِ والحوالة.
وذكرَ في «شرحِ الجامعِ» لقاضي خان - رضي الله عنه -، و «الواقعات»، و «الفصول»: إنَّ الفتوى على قولهما، وهو اختيارُ فخرِ الإسلام - رضي الله عنه -، وقيل: هو اختيارُ المتأخّرين.
وقيل: ينبغي للقاضي أن ينظرَ في حالِ المدَّعي فإن رآه مُتَعَنِّتاً يأخذُ بقولهما ويحلِّفُه، وإن رآهُ مظلوماً لا يحلِّفُه، وهو نظيرُ ما اختارَهُ شمسُ الأئمَّةِ - رضي الله عنه - في التوكيلِ بالخصومة لغيرِ رضاءِ الخصم: إنَّ القاضي إن رأى من الخصمِ التعَنُّت وقصدَ الإضرارَ بالآخرِ قبل التوكيلِ بغيرِ رضاه، وإلاَّ فلا.
ثمَّ اعلم أنّه إذا لم يستحلفْ المنكرَ عند الإمامِ في النسبِ هل تقبلُ بيّنةُ المدَّعي؟ ينظرُ: فإن كان نسباً يثبت بالإقرارِ، وتقبلُ بيِّنتُه مثلُ: الولدِ، والوالدِ، وإن لم يثبتْ بإقرارِهِ لا تقبلُ بيِّنتُه مثلُ: الجدِّ، وولدِ الولد، والأعمامِ، والأخوةِ، وأولادهم؛ لأنَّ فيه حملُ النسبِ على الغيرِ بخلافِ دعوى المولى الأعلى أو الأسفل حيث تقبلُ، وإن ادّعى أنه مُعْتَقُ جَدِّه، ونحو ذلك، والتفصيلُ في «السراجِ الوهّاج» وغيره (¬2).
[1] قوله: ويمكن أن يقال ... الخ؛ قال يعقوب باشا (¬3): فيه كلام، وهو أنَّ الفرقَ
¬__________
(¬1) «فتاوى قاضي خان» (2: 429)، وعبارته: والفتوى على قولهما فيه لعموم البلوى.
(¬2) ينظر: «التبيين» (4: 298).
(¬3) في «حاشيته» (ق139/أ).