زبدة النهاية لعمدة الرعاية - صلاح أبو الحاج
كتاب الوديعة
وتصحُّ بوهبت، ونحلت، وأعطيتُك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وتصحُّ بوهبت [1]، ونحلت، وأعطيتُك
===
قال البِرْجَنْدِيُّ: ويمكنُ أن يقال: هي خارجة، بقوله: بلا عوض، إذ عوضُ المتصدِّق هو الثوابُ غالباً، وهو عوض. انتهى.
أقول: فيه ما فيه؛ فإنَّ سببَ الهبةِ هو إرادةُ الخيرِ للواهب، سواءً كان دنيويّاً كحسنِ ثناءٍ مثلاً، أو أخرويّاً وهو الثواب كما عرفتَ سابقاً، نعم يمكنُ الرجوعُ إلى القولِ بالتغايرِ الاعتباريّ، وبقيَ هاهنا إشكالٌ قويّ، وهو أنّ هبةَ الطاعاتِ هبةٌ صحيحةٌ عند أهلِ السنّة. كما صرّحوا به، ولا يصدقُ عليه تمليكُ عين، فتدبّر.
[1] قوله: وتصح بوهبت ... الخ؛ إنّما تصحُّ الهبةُ بقوله: وهبت؛ لأنّه صريحٌ فيه، وبقوله: نحلت؛ لأنّه مستعملٌ فيه مجازاً، وكذا بقوله: أعطيتك، فإنّه أيضاً مستعملٌ في الهبةِ مجازاً، يقال: أعطاك الله، ووهبك الله بمعنى واحد.
وبقوله: أطعمتُك هذا الطعام لِمَا ذكرَه الشارح - رضي الله عنه -، فإنّ الإطعامَ ... الخ، ولعلَّ في إطلاقِ قوله: وتصحُّ بوهبت ... الخ؛ إشارةٌ إلى أنَّ الهبةَ تصحُّ وتقعُ بهذه الأقوال وإن صدرت هذه الأقوالُ عن القائلِ مزاحاً. نقله في «البحر» (¬1) عن «الخلاصة».
وقال المَقْدسيُّ: الذي في «الخلاصة»: إنّه طلبَ الهبةَ مزاحاً لا جدّاً فوهبه جدّاً وسَلَّم صحّت الهبة؛ لأنَّ الواهبَ غيرُ مازح، وقد قبلَ الموهوبُ له قبولاً صحيحاً. انتهى. وما نقله صاحب «التنوير» عن «الخزانة» مستدلاً به على ما في «متنِه» (¬2) لا يفيده.
فإنّه نحو ما في «الخلاصة»، وعبارتها: لو قال هبني هذا الشيء على وجهِ المزاح، فقال: وهب وسَلَّمَ جاز. انتهى. وكذا ما في «القُهُسْتَانِيّ» (¬3) لا يفيده، ونصُّه: ويدخلُ فيه ما يكونُ على وجهِ المزاح، فلو قال: هبْ لي كذا، فقال: وهبت، وقال الآخر: قبلتُ وسَلَّم إليه جاز. انتهى.
فالحاصلُ أنَّ التسليمَ ينافي المزاح، وهو معتبرٌ في تمامِ الهبة، فالتسليمُ قرينةٌ على أنَّ الهبةَ صدرت من الواهبِ جدَّاً لا مزاحاً، وعن ابنِ المباركِ - رضي الله عنه -: أنّه مرَّ على قومِ
¬__________
(¬1) «البحر الرائق» (7: 284).
(¬2) «تنوير الأبصار» (ص183).
(¬3) أي القهستاني في «جامع الرموز» (2: 59).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وتصحُّ بوهبت [1]، ونحلت، وأعطيتُك
===
قال البِرْجَنْدِيُّ: ويمكنُ أن يقال: هي خارجة، بقوله: بلا عوض، إذ عوضُ المتصدِّق هو الثوابُ غالباً، وهو عوض. انتهى.
أقول: فيه ما فيه؛ فإنَّ سببَ الهبةِ هو إرادةُ الخيرِ للواهب، سواءً كان دنيويّاً كحسنِ ثناءٍ مثلاً، أو أخرويّاً وهو الثواب كما عرفتَ سابقاً، نعم يمكنُ الرجوعُ إلى القولِ بالتغايرِ الاعتباريّ، وبقيَ هاهنا إشكالٌ قويّ، وهو أنّ هبةَ الطاعاتِ هبةٌ صحيحةٌ عند أهلِ السنّة. كما صرّحوا به، ولا يصدقُ عليه تمليكُ عين، فتدبّر.
[1] قوله: وتصح بوهبت ... الخ؛ إنّما تصحُّ الهبةُ بقوله: وهبت؛ لأنّه صريحٌ فيه، وبقوله: نحلت؛ لأنّه مستعملٌ فيه مجازاً، وكذا بقوله: أعطيتك، فإنّه أيضاً مستعملٌ في الهبةِ مجازاً، يقال: أعطاك الله، ووهبك الله بمعنى واحد.
وبقوله: أطعمتُك هذا الطعام لِمَا ذكرَه الشارح - رضي الله عنه -، فإنّ الإطعامَ ... الخ، ولعلَّ في إطلاقِ قوله: وتصحُّ بوهبت ... الخ؛ إشارةٌ إلى أنَّ الهبةَ تصحُّ وتقعُ بهذه الأقوال وإن صدرت هذه الأقوالُ عن القائلِ مزاحاً. نقله في «البحر» (¬1) عن «الخلاصة».
وقال المَقْدسيُّ: الذي في «الخلاصة»: إنّه طلبَ الهبةَ مزاحاً لا جدّاً فوهبه جدّاً وسَلَّم صحّت الهبة؛ لأنَّ الواهبَ غيرُ مازح، وقد قبلَ الموهوبُ له قبولاً صحيحاً. انتهى. وما نقله صاحب «التنوير» عن «الخزانة» مستدلاً به على ما في «متنِه» (¬2) لا يفيده.
فإنّه نحو ما في «الخلاصة»، وعبارتها: لو قال هبني هذا الشيء على وجهِ المزاح، فقال: وهب وسَلَّمَ جاز. انتهى. وكذا ما في «القُهُسْتَانِيّ» (¬3) لا يفيده، ونصُّه: ويدخلُ فيه ما يكونُ على وجهِ المزاح، فلو قال: هبْ لي كذا، فقال: وهبت، وقال الآخر: قبلتُ وسَلَّم إليه جاز. انتهى.
فالحاصلُ أنَّ التسليمَ ينافي المزاح، وهو معتبرٌ في تمامِ الهبة، فالتسليمُ قرينةٌ على أنَّ الهبةَ صدرت من الواهبِ جدَّاً لا مزاحاً، وعن ابنِ المباركِ - رضي الله عنه -: أنّه مرَّ على قومِ
¬__________
(¬1) «البحر الرائق» (7: 284).
(¬2) «تنوير الأبصار» (ص183).
(¬3) أي القهستاني في «جامع الرموز» (2: 59).