زبدة النهاية لعمدة الرعاية - صلاح أبو الحاج
كتاب الإجارة
.......................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
.............................................................................................................................
===
وهذا أولى من الذي ذهبَ إليه الشافعيّ - رضي الله عنه - فإنّ فيه قلب الحقائق، وهو جعل المعدوم موجوداً، وما ذهبنا إليه ليس فيه إلاَّ إقامةُ السبب وهو العينُ مقامَ المسبّب وهي المنفعة في حقِّ بعضِ الأحكام، وهذا القدرُ من التغيير معهودٌ في الشرع، ألا ترى أنَّ الشارع أقام السفرَ مقام المشقة؛ لأنّه سببها، وأقام البلوغَ مقام اعتدالِ العقل، حتى علَّقَ التكليف به؛ لأنّه سببه، وقس على هذا.
وإنّما جاز الاستئجار بالدَّين لأنَّ العقدَ لم ينعقد في حقِّ المنفعة، فلم تصرْ المنفعةُ ديناً في ذمَّته فلا يجبُ بدلها أيضاً، وعند انعقادِ العقد فيها وهو زمانُ حدوثِها تصيرُ هي مقبوضةً، فلا يكون ديناً بدينٍ أصلاً، ولو كان العقدُ منعقداً لما جازت الإجارةُ بالدَّين المؤجّل أصلاً، كما لا يجوز السَّلَم، ولو جازَ أن يجعلَ المعدومَ كالمستوفى لجازَ ذلك في السَّلَم أيضاً، كما إذا باعَ العينَ بالدَّين.
فإذا استوفى المنفعةَ ثبتَ الملكُ في الإجارة، لتحقّق المساواةِ التي اقتضاها العقد، فصحَّ بخلافِ الإجارةِ المضافةِ إلى وقت بشرط تعجيلِ الأجرة، حيث يكون الشرط باطلاً، ولا يلزمُهُ للحالِ شيء؛ لأنّ امتناعَ وجوبِ الأجرة ليس بمقتضى العقد، بل بالتصريحُ بالإضافةِ إلى وقتٍ في المستقبل، والمضافُ إلى وقتٍ لا يكون موجوداً قبل ذلك الوقت، فلا يتغيَّرُ هذا المعنى بالشرط.
وفيما نحنُ فيه إنّما يجب لاقتضاءِ العقدِ للمساواة، وليس بمضافٍ صريحاً، فبطل ذلك المعنى بالتصريح على خلافه، ألا ترى أنَّ الثمنَ في المبيع يجبُ في الحال، ولا يجب تسليم المبيع حتى يُسَلِّمَ الثمن؛ لأنَّ العقدَ يقتضي المساواة، ثمّ إذا كان الثمنُ مؤجّلاً يجبُ تسليمُه في الحال؛ لأنّه تأخّر بالقصدِ صريحاً.
وما قال الشافعيَّ - رضي الله عنه - من أنَّ الشارع جعلَ المعدومَ حقيقة موجودا حكماً ... الخ، فجوابُه: أنّه مُسَلَّم، لكنَّ البحث هاهنا فيما يمكن تقديرُ وجوده حقيقة؛ لأنَّ الشيءَ إنّما يُقَدَّرُ حكماً إذا كان يمكن تصويرُهُ حقيقة، كما في المستشهد به، فإنّ الحيَّ يتصوَّرُ موتُه، وكذا بالعكس، وأمّا المنافع فلا تقبل العقد أصلاً كما لا يخفى، ذكره الزَّيْلَعِيُّ (¬1)، وغيره.
¬__________
(¬1) في «التبيين» (5: 107 - 108).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
.............................................................................................................................
===
وهذا أولى من الذي ذهبَ إليه الشافعيّ - رضي الله عنه - فإنّ فيه قلب الحقائق، وهو جعل المعدوم موجوداً، وما ذهبنا إليه ليس فيه إلاَّ إقامةُ السبب وهو العينُ مقامَ المسبّب وهي المنفعة في حقِّ بعضِ الأحكام، وهذا القدرُ من التغيير معهودٌ في الشرع، ألا ترى أنَّ الشارع أقام السفرَ مقام المشقة؛ لأنّه سببها، وأقام البلوغَ مقام اعتدالِ العقل، حتى علَّقَ التكليف به؛ لأنّه سببه، وقس على هذا.
وإنّما جاز الاستئجار بالدَّين لأنَّ العقدَ لم ينعقد في حقِّ المنفعة، فلم تصرْ المنفعةُ ديناً في ذمَّته فلا يجبُ بدلها أيضاً، وعند انعقادِ العقد فيها وهو زمانُ حدوثِها تصيرُ هي مقبوضةً، فلا يكون ديناً بدينٍ أصلاً، ولو كان العقدُ منعقداً لما جازت الإجارةُ بالدَّين المؤجّل أصلاً، كما لا يجوز السَّلَم، ولو جازَ أن يجعلَ المعدومَ كالمستوفى لجازَ ذلك في السَّلَم أيضاً، كما إذا باعَ العينَ بالدَّين.
فإذا استوفى المنفعةَ ثبتَ الملكُ في الإجارة، لتحقّق المساواةِ التي اقتضاها العقد، فصحَّ بخلافِ الإجارةِ المضافةِ إلى وقت بشرط تعجيلِ الأجرة، حيث يكون الشرط باطلاً، ولا يلزمُهُ للحالِ شيء؛ لأنّ امتناعَ وجوبِ الأجرة ليس بمقتضى العقد، بل بالتصريحُ بالإضافةِ إلى وقتٍ في المستقبل، والمضافُ إلى وقتٍ لا يكون موجوداً قبل ذلك الوقت، فلا يتغيَّرُ هذا المعنى بالشرط.
وفيما نحنُ فيه إنّما يجب لاقتضاءِ العقدِ للمساواة، وليس بمضافٍ صريحاً، فبطل ذلك المعنى بالتصريح على خلافه، ألا ترى أنَّ الثمنَ في المبيع يجبُ في الحال، ولا يجب تسليم المبيع حتى يُسَلِّمَ الثمن؛ لأنَّ العقدَ يقتضي المساواة، ثمّ إذا كان الثمنُ مؤجّلاً يجبُ تسليمُه في الحال؛ لأنّه تأخّر بالقصدِ صريحاً.
وما قال الشافعيَّ - رضي الله عنه - من أنَّ الشارع جعلَ المعدومَ حقيقة موجودا حكماً ... الخ، فجوابُه: أنّه مُسَلَّم، لكنَّ البحث هاهنا فيما يمكن تقديرُ وجوده حقيقة؛ لأنَّ الشيءَ إنّما يُقَدَّرُ حكماً إذا كان يمكن تصويرُهُ حقيقة، كما في المستشهد به، فإنّ الحيَّ يتصوَّرُ موتُه، وكذا بالعكس، وأمّا المنافع فلا تقبل العقد أصلاً كما لا يخفى، ذكره الزَّيْلَعِيُّ (¬1)، وغيره.
¬__________
(¬1) في «التبيين» (5: 107 - 108).