اذا واجهت اي مشكلة في محتوى الكتاب من صفحات و الفصول يرجى الابلاغ عنها

أيقونة إسلامية

زبدة النهاية لعمدة الرعاية

صلاح أبو الحاج
زبدة النهاية لعمدة الرعاية - صلاح أبو الحاج

كتاب الدعوى

........................................................................................................................
ـــــــــــــــــــــــــــــ
..............................................................................................................................
===
ولأنَّ اليمينَ إنّما وجبت في الابتداءِ على المنكر؛ لكونِ الظَّاهرِ يشهدُ له، فإذا نكلَ هو كان الظاهرُ شاهداً للمدَّعي، فيحلف؛ ولأنَّ النكولَ يحتملُ أن يكونَ لأجلِ اشتباهِ الحالِ عليه، بأن لا يدري صادق في إنكارِهِ فيحلف، أو كاذب فيمتنع، أو لأجلِ التورُّعِ عن اليمينِ الكاذبة.
أو لأجلِ الترفُّعِ عن الصادقة، كما فعلَ عثمانُ - رضي الله عنه -، فإنّه نكلَ عن اليمين، وقال: أخافُ أن يوافَقه قضاء، فيقال ـ أي عثمان ـ: حلفَ كاذباً فلا يكونُ حجَّة مع الاحتمال، فلا يقضي به، ويمينُ المدَّعي دليلُ ظهورِ كونِهِ محقَّاً في دعواه، كما كانت يمينُ المدعى عليه، فيرجعُ إلى يمينِ المدَّعي.
ولنا: إجماعُ الصَّحابةِ - رضي الله عنهم -، وروي عن عليٍّ - رضي الله عنه - أيضاً أنّه وافقَ إجماعَهم، فإنّه روي عن شريح - رضي الله عنه -: إنَّ المنكرَ طلبَ منه ردُّ اليمينِ عن المدَّعي، فقال: ليس لك إليه سبيل، وقضى بالنكول بين يدي عليٍّ - رضي الله عنه -، فقال له عليّ - رضي الله عنه -: قانون، ومعناها بالروميّة: أصبت.
وروي عن عمرَ - رضي الله عنه - أنّ امرأةً ادَّعت عنده على زوجِها أنّه قال لها: حبلُك على غاربك، فحلَّفَ عمرُ - رضي الله عنه - الزوج: باللهِ أردتَ طلاقاً، فنكل، فقضى عليه بالفرقة، وكذا روي عن ابنِ عبَّاسٍ - رضي الله عنه -، وهو مذهبُ أبي موسى الأشعريّ - رضي الله عنه -.
ولأن النُّكولَ دلَّ على كون المدَّعى عليه باذلاً إن كان النكولُ بدلاً، كما هو قولُ الإمام، أو مقرِّاً إن كان النكولُ إقراراً، كما هو قولهما، إذ لولا ذلك لأقدم على اليمينِ أداءً للواجب، ودفعاً للضَّررِ عن نفسِه، فترجَّحتْ هذه الجهةُ على غيرِها من الترفُّعِ والتورُّع والاشتباه؛ لأنَّ الظاهرَ أنّه يأتي بالواجب، فلا يرتفعُ عن الصادقة.
والظَّاهرُ من حالِ المسلمِ أنّه لا يكذب، فلا يكونُ نكولُهُ تورُّعاً عن الكاذبةِ ظاهراً باعتبارِ حاله، ولو كان لاشتباهِ الحالِ لاسْتَمْهَلَ حتى ينكشفَ له الحال، فتعيَّن أن يكونَ لأجلِ البذل، ولا وجهَ لردِّ اليمينِ على المدَّعي؛ لما روي من أنّ اليمينَ على المنكر. كذا قالوا (¬1).

¬__________
(¬1) ينظر: «التبيين» (4: 296)، و «البحر» (7: 205)، وغيرها.
المجلد
العرض
60%
تسللي / 1260