الأساس في السنة وفقهها - السيرة النبوية - سعيد حوّى [ت ١٤٠٩ هـ]
مبادرات الخصوم.
٥ - في كثير من الأحيان تضطر القيادات السياسية والعسكرية لمواقف لابد منها، وفي مثل هذه المواقف لا يفرق بين الخائن والأمين إلا الثقة، فمن وثق قال عن قائده أمين ومن لم يثق قال عنه خائن، ولذلك لا يصح بالنسبة للقيادات الإسلامية أن تخدش الثقة، والقيادات الإسلامية في هذه الحالة بين أمرين: إما أن تستقيل، أو تتنزه عن مواطن الشبهات، وما عدا ذلك فإنه خيار صعب وقد يكون فاسدًا، وعلى كل الأحوال فهذا يجعلنا نؤكد على أنه يجب أن تبذل كافة الجهود لتبنى الثقة في القيادات على أرقاها، فذلك هو الطريق الوحيد للوصول إلى القرار الحكيم، نقول هذا بمناسبة أن رسول الله ﷺ عرض على غطفان ثلث ثمار المدينة في مقابل أن يتميزوا عن قريش. صحيح أن ذلك لم يبرم، ولكن هل أثر عرض رسول الله على الثقة فيه؟ ترى من يستطيع الآن من القيادات الإسلامية أن يعرض عروضًا ما على الكافرين بسبب ظروف صعبة ثم لا يكون محل تهمة لدى إخوانه؟ هذا الوضع يجب أن تتحرر الحركة الإسلامية منه، يجب أن يكون تقديرها للموقف سليمًا وعلى ضوء ذلك تتخذ قرارها المناسب، كائنًا ما كان ما دام شرعيًا وفيه مصلحة، وعليها أن تربي الصف على الثقة، وعلى القيادات أن تكون جديرة بهذه الثقة.
* * *
تقويم الموقف في نهاية السنة الخامسة
لقد انتهت غزوة الأحزاب في الظاهر بسلامة الفريقين وتكافئهما، ولكن الأمر في حقيقته كان غير ذلك، فلقد سجل رسول الله ﷺ في هذه الغزوة انتصارًا من أعظم انتصاراته، لقد كان هو المنتصر الأكبر على الساحة جميعها سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا ونفسيًا، فعندما يرجع جيش مقداره عشرة آلاف وهو أضخم جيش عرفته الجزيرة العربية حتى يومها، دون أن يحقق شيئًا ضد جيش قوامه ثلاثة آلاف فذلك وحده خسارة لهذا الجيش، فإذا ما أضيف إلى ذلك أن هذه أول تجربة لتجميع العرب المشركين ضد محمد ﷺ وكانت تجربة فاشلة فهذا يعني أنها لن تتكرر وذلك ربح آخر، ولئن ترتب على هذه الغزوة استئصال قريظة بسبب غدرها فذلك يعني أن المسلمين لن يؤتوا مرة أخرى من
٥ - في كثير من الأحيان تضطر القيادات السياسية والعسكرية لمواقف لابد منها، وفي مثل هذه المواقف لا يفرق بين الخائن والأمين إلا الثقة، فمن وثق قال عن قائده أمين ومن لم يثق قال عنه خائن، ولذلك لا يصح بالنسبة للقيادات الإسلامية أن تخدش الثقة، والقيادات الإسلامية في هذه الحالة بين أمرين: إما أن تستقيل، أو تتنزه عن مواطن الشبهات، وما عدا ذلك فإنه خيار صعب وقد يكون فاسدًا، وعلى كل الأحوال فهذا يجعلنا نؤكد على أنه يجب أن تبذل كافة الجهود لتبنى الثقة في القيادات على أرقاها، فذلك هو الطريق الوحيد للوصول إلى القرار الحكيم، نقول هذا بمناسبة أن رسول الله ﷺ عرض على غطفان ثلث ثمار المدينة في مقابل أن يتميزوا عن قريش. صحيح أن ذلك لم يبرم، ولكن هل أثر عرض رسول الله على الثقة فيه؟ ترى من يستطيع الآن من القيادات الإسلامية أن يعرض عروضًا ما على الكافرين بسبب ظروف صعبة ثم لا يكون محل تهمة لدى إخوانه؟ هذا الوضع يجب أن تتحرر الحركة الإسلامية منه، يجب أن يكون تقديرها للموقف سليمًا وعلى ضوء ذلك تتخذ قرارها المناسب، كائنًا ما كان ما دام شرعيًا وفيه مصلحة، وعليها أن تربي الصف على الثقة، وعلى القيادات أن تكون جديرة بهذه الثقة.
* * *
تقويم الموقف في نهاية السنة الخامسة
لقد انتهت غزوة الأحزاب في الظاهر بسلامة الفريقين وتكافئهما، ولكن الأمر في حقيقته كان غير ذلك، فلقد سجل رسول الله ﷺ في هذه الغزوة انتصارًا من أعظم انتصاراته، لقد كان هو المنتصر الأكبر على الساحة جميعها سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا ونفسيًا، فعندما يرجع جيش مقداره عشرة آلاف وهو أضخم جيش عرفته الجزيرة العربية حتى يومها، دون أن يحقق شيئًا ضد جيش قوامه ثلاثة آلاف فذلك وحده خسارة لهذا الجيش، فإذا ما أضيف إلى ذلك أن هذه أول تجربة لتجميع العرب المشركين ضد محمد ﷺ وكانت تجربة فاشلة فهذا يعني أنها لن تتكرر وذلك ربح آخر، ولئن ترتب على هذه الغزوة استئصال قريظة بسبب غدرها فذلك يعني أن المسلمين لن يؤتوا مرة أخرى من
714