تفسير القرآن الثري الجامع - المؤلف
سورة آل عمران [٣: ٨٤]
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾:
المناسبة: ذكر في الآيات السابقة أخذ الله الميثاق من النبيين على أن ينصر بعضهم بعضًا، ويؤمن بعضهم ببعض؛ أي: يصدقوا بعضهم بعضًا، سواء عاشوا في زمن واحد، أو أزمنة مختلفة، على كل رسول أن يبلغ أمته أن يؤمنوا بكل الرسل، وعدم التعصب؛ لأن العقيدة واحدة، ولكن هؤلاء الأتباع هم الذين ضلوا الطريق، فجعلوا رسلهم آلهة تُعبد، وأشركوا، وحرفوا كتبهم، ورفضوا الإيمان بغير رسلهم؛ فظهر الاختلاف بين الرسل وأممهم؛ أي: أتباعهم، والكل يدعي الصلاح، وأنه على الدِّين القيم، وغيره على الباطل.
فجاءت هذه الآية؛ لتوضح لنا الحل لإزالة الاختلاف.
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: كلمة قل هي خطاب للنبي وحده -ﷺ- بدل من قولوا آمنا كما في الآية (١٣٦) في سورة البقرة، وجاءت آمنا بدلًا من آمنت؛ لتدلنا وتوضِّح لنا أن هذا النبي -ﷺ- وأمته شيءٌ واحدٌ؛ أي: وحدة إيمانية واحدة، سواء تخاطب رسولها، أو تخاطبها، فرسولها واحدٌ من أفرادها، وتحمل في طياتها أن أمة محمد -ﷺ- طائعة لرسولها.
فإذا جاء الأمر إلى الرسول -ﷺ- فالتنفيذ يكون من جميع أفراد هذه الأمة، كما قال تعالى في سورة البقرة، آية (٢٨٥): ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾: أنزل، ولم يقل ما نزل؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) للبيان؛ أنزل علينا، وفي آيات أخرى: أنزل إلينا.
فالإنزال يأتي مرة متعدِّيًا بـ (على)، ومرة أخرى متعدِّيًا بـ (إلى).
﴿عَلَيْنَا﴾: وما: اسم موصول، وتعني الذي، علينا: على الرسول، وعلى أمته معًا، والذي أنزل على الرسول هو الذي أنزل على أمته.
استعمال على يفيد العلو والسمو والتشريف، فحين يقصد الإنزال وجهته يأتي بعلى، وحين يقصد الغاية، أو النهاية، أو يقصد التبليغ والدعوة يأتي بإلى؛ أي: إلينا: تفيد الانتهاء، وعلينا: تفيد الجهة، ومختصة بالأنبياء والرسل. ارجع إلى الآية (٤) من سورة البقرة للبيان.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾: وما أنزل على إبراهيم من الصحف، وعلى إسماعيل، وإسحاق من الوحي، والأسباط: المرجح هم من أحفاد أو ذرية يعقوب -﵇-، وليسوا أولاده (أخوة يوسف) كما ظن الكثير؛ لأن أبناء يعقوب -﵇- لم يكونوا أنبياء إلا يوسف -﵇-، والسبط يعني: القبيلة أو الجماعة الذي يرجعون إلى أب واحد، أو أحفاد الرجل (ابن البنت).
﴿وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: وهنا نلاحظ عطف العام على الخاص، وصدقنا بما أوتي موسى من التوراة، وعيسى من الإنجيل، وما أوتي سائر الرسل والأنبياء من ربهم من الآيات والمعجزات، لا نفرق بين أحد منهم؛ أي: لا نؤمن ببعض الرسل والأنبياء، ونكفر ببعض، بل نؤمن بالكل، ونحن له مسلمون؛ أي: مخلصون في التوحيد، والعبادة، والطاعة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لبيان معنى الإيتاء، والفرق بين الإيتاء والعطاء.
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾:
المناسبة: ذكر في الآيات السابقة أخذ الله الميثاق من النبيين على أن ينصر بعضهم بعضًا، ويؤمن بعضهم ببعض؛ أي: يصدقوا بعضهم بعضًا، سواء عاشوا في زمن واحد، أو أزمنة مختلفة، على كل رسول أن يبلغ أمته أن يؤمنوا بكل الرسل، وعدم التعصب؛ لأن العقيدة واحدة، ولكن هؤلاء الأتباع هم الذين ضلوا الطريق، فجعلوا رسلهم آلهة تُعبد، وأشركوا، وحرفوا كتبهم، ورفضوا الإيمان بغير رسلهم؛ فظهر الاختلاف بين الرسل وأممهم؛ أي: أتباعهم، والكل يدعي الصلاح، وأنه على الدِّين القيم، وغيره على الباطل.
فجاءت هذه الآية؛ لتوضح لنا الحل لإزالة الاختلاف.
﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: كلمة قل هي خطاب للنبي وحده -ﷺ- بدل من قولوا آمنا كما في الآية (١٣٦) في سورة البقرة، وجاءت آمنا بدلًا من آمنت؛ لتدلنا وتوضِّح لنا أن هذا النبي -ﷺ- وأمته شيءٌ واحدٌ؛ أي: وحدة إيمانية واحدة، سواء تخاطب رسولها، أو تخاطبها، فرسولها واحدٌ من أفرادها، وتحمل في طياتها أن أمة محمد -ﷺ- طائعة لرسولها.
فإذا جاء الأمر إلى الرسول -ﷺ- فالتنفيذ يكون من جميع أفراد هذه الأمة، كما قال تعالى في سورة البقرة، آية (٢٨٥): ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾: أنزل، ولم يقل ما نزل؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) للبيان؛ أنزل علينا، وفي آيات أخرى: أنزل إلينا.
فالإنزال يأتي مرة متعدِّيًا بـ (على)، ومرة أخرى متعدِّيًا بـ (إلى).
﴿عَلَيْنَا﴾: وما: اسم موصول، وتعني الذي، علينا: على الرسول، وعلى أمته معًا، والذي أنزل على الرسول هو الذي أنزل على أمته.
استعمال على يفيد العلو والسمو والتشريف، فحين يقصد الإنزال وجهته يأتي بعلى، وحين يقصد الغاية، أو النهاية، أو يقصد التبليغ والدعوة يأتي بإلى؛ أي: إلينا: تفيد الانتهاء، وعلينا: تفيد الجهة، ومختصة بالأنبياء والرسل. ارجع إلى الآية (٤) من سورة البقرة للبيان.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾: وما أنزل على إبراهيم من الصحف، وعلى إسماعيل، وإسحاق من الوحي، والأسباط: المرجح هم من أحفاد أو ذرية يعقوب -﵇-، وليسوا أولاده (أخوة يوسف) كما ظن الكثير؛ لأن أبناء يعقوب -﵇- لم يكونوا أنبياء إلا يوسف -﵇-، والسبط يعني: القبيلة أو الجماعة الذي يرجعون إلى أب واحد، أو أحفاد الرجل (ابن البنت).
﴿وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: وهنا نلاحظ عطف العام على الخاص، وصدقنا بما أوتي موسى من التوراة، وعيسى من الإنجيل، وما أوتي سائر الرسل والأنبياء من ربهم من الآيات والمعجزات، لا نفرق بين أحد منهم؛ أي: لا نؤمن ببعض الرسل والأنبياء، ونكفر ببعض، بل نؤمن بالكل، ونحن له مسلمون؛ أي: مخلصون في التوحيد، والعبادة، والطاعة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لبيان معنى الإيتاء، والفرق بين الإيتاء والعطاء.
118