زبدة الكلام على كفاية الغلام - صلاح أبو الحاج
المبحثُ الخامس: النَّقل المدرسي والنَّقل الحديثي:
فعمر - رضي الله عنه - لم يتوطَّن الكوفة، ولكن شيخ الكوفة ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يتابعه في اجتهاداته، ويترك اجتهاده لاجتهاد عمر - رضي الله عنه -، مما جعل فتاوى عمر - رضي الله عنه - مصدراً أساسياً في فقه أهل الكوفة، ويدرك ذلك كلّ مشتغل بالاستدلال لمسائل أهل الكوفة، فإنَّها تكون موافقة لقول عمر - رضي الله عنه -.
وبهذا يكون علم عمر - رضي الله عنه - قد غذيت به الكوفة وكان مُستَنداً لهم في فقههم، فإن كان ذلك، يكون قد اجتمع لهم علم أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فحقّ لهم أن يبنوا لمن خلفهم هذا البنيان الفقهي الشامخ الذي بهروا به الأبصار (¬1).
فهذه الصُّحبة المديدة والمُلَازمة العجيبة لا بُدَّ أن تجعله مُدركاً وضابطاً لهدي النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وفاهماً لمقاصد الشَّرع وحافظاً لما ورد منه، ومثلُه أهلٌ بأن يأتي بمذهبٍ يُبيّن فيه حقيقة الإسلام الذي تلقاه من الحضرة النَّبويّة، وقد تجسّد هذا في المذهب الحنفيّ، فهو مذهب ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ إذ إنَّه الرَّكيزةُ الأساسيةُ في بنائه وتأسيسه.
فقد نُقل عن ابن مسعود - رضي الله عنه - كلُّ ما تعلمه من النَّبي - صلى الله عليه وسلم - واجتهد به كبارُ التَّابعين في الكوفة؛ إذ بقي في الكوفة ما يَقْرُب من خمس عشرة سنة يُربي ويُعَلِّم، فيَقول ابن مسعود - رضي الله عنه - عن علقمة النَّخعي - رضي الله عنه - الذي صحبه عشر سنين (¬2): «لا أَعلم شيئاً إلا وعلقمة يعلمه» (¬3)، وهذه شهادة عظيمةٌ يتضح من خلالها كمال النَّقل لهدي النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بطريق المدرسة، وشهد بذلك الطَّبري فقال: «لم يكن أحدٌ له أصحاب معروفون حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود - رضي الله عنه -، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر - رضي الله عنه -، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من
¬__________
(¬1) في مقدمة نصب الراية ص305.
(¬2) المعجم الكبير 9: 123.
(¬3) ينظر: مقدمة نصب الرَّاية ص304ـ305.
وبهذا يكون علم عمر - رضي الله عنه - قد غذيت به الكوفة وكان مُستَنداً لهم في فقههم، فإن كان ذلك، يكون قد اجتمع لهم علم أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فحقّ لهم أن يبنوا لمن خلفهم هذا البنيان الفقهي الشامخ الذي بهروا به الأبصار (¬1).
فهذه الصُّحبة المديدة والمُلَازمة العجيبة لا بُدَّ أن تجعله مُدركاً وضابطاً لهدي النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وفاهماً لمقاصد الشَّرع وحافظاً لما ورد منه، ومثلُه أهلٌ بأن يأتي بمذهبٍ يُبيّن فيه حقيقة الإسلام الذي تلقاه من الحضرة النَّبويّة، وقد تجسّد هذا في المذهب الحنفيّ، فهو مذهب ابن مسعود - رضي الله عنه -؛ إذ إنَّه الرَّكيزةُ الأساسيةُ في بنائه وتأسيسه.
فقد نُقل عن ابن مسعود - رضي الله عنه - كلُّ ما تعلمه من النَّبي - صلى الله عليه وسلم - واجتهد به كبارُ التَّابعين في الكوفة؛ إذ بقي في الكوفة ما يَقْرُب من خمس عشرة سنة يُربي ويُعَلِّم، فيَقول ابن مسعود - رضي الله عنه - عن علقمة النَّخعي - رضي الله عنه - الذي صحبه عشر سنين (¬2): «لا أَعلم شيئاً إلا وعلقمة يعلمه» (¬3)، وهذه شهادة عظيمةٌ يتضح من خلالها كمال النَّقل لهدي النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بطريق المدرسة، وشهد بذلك الطَّبري فقال: «لم يكن أحدٌ له أصحاب معروفون حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود - رضي الله عنه -، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر - رضي الله عنه -، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من
¬__________
(¬1) في مقدمة نصب الراية ص305.
(¬2) المعجم الكبير 9: 123.
(¬3) ينظر: مقدمة نصب الرَّاية ص304ـ305.