أيقونة إسلامية

زبدة الكلام على كفاية الغلام

صلاح أبو الحاج
زبدة الكلام على كفاية الغلام - صلاح أبو الحاج

المبحثُ الخامس: النَّقل المدرسي والنَّقل الحديثي:

فهذه الحقيقة واضحة لكل مشتغل بالمذهب الحنفي والاستدلال له، فكل مسألة خالف فيها أبو حنيفة غيره وأعوزه الحديث فيها، وجدنا أنَّه قد قال بها ابن مسعود - رضي الله عنه - أو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أو غيرهم مِنَ الصحابة - رضي الله عنهم - الذين حلّوا في الكوفة، وكان عمل فقهاء أهل الكوفة المعتمدين عليها، حتى وصل للإمام أبي حنيفة، فاعتماده - رضي الله عنه - على هذا النَّقل المستفيض عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغنيه عن حديث الآحاد فيها.
وحاصل الكلام: أنَّ مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة اعتمدتا في فقههما على النَّقل المتوارث جيلاً بعد جيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما اختلف فيه، فكل منهما يقدم ما نقل مجتهدو الصَّحابة - رضي الله عنهم - الذين حلّوا في بلده، ومَنْ بعدهم مِنَ الفقهاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحتج به، وهذا وإن كان مصرحاً به في كتب المالكية ومنها «الموطأ»، إلا أننا نلاحظ الأمر نفسه متبع في كتب الحنفية ضمناً لمن يراجع كتب الاستدلال لهم: ككتاب «إعلاء السُّنن»، وغيره، بخلاف ما عند الشَّافعية والحنابلة من الاعتماد على نقل الثِّقة عن غيره إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا هو سبيل الإمام الشافعي - رضي الله عنه - للظفر بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لتأخره زماناً عن الإمام أبي حنيفة والإمام مالك، وتنقله بين البلاد، فلمّا لم يحصل له ما حصل لهما مِنَ النقل المدرسي المتوارث، ولا ضير عليه في ذلك؛ لأنَّ كلاً منهما أصّل الأصول المعتبرة في استخراج الفروع ونقل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى غدا كلّ واحد منها لإحكام قواعده راجح في ذاته إذا نظرنا لمسائله من خلال أصوله، مرجوح لمقلّد غيره إذا نظر له من خلال أصول غيره.
واعتماد المذهب الشَّافعي والمذهب الحنبلي على النَّقل الحديثي أمر ظاهر مشهور، قال الشَّافعيُّ: «الأصلُ قرآنٌ وسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل
المجلد
العرض
12%
تسللي / 640