أيقونة إسلامية

زبدة الكلام على كفاية الغلام

صلاح أبو الحاج
زبدة الكلام على كفاية الغلام - صلاح أبو الحاج

المبحثُ الخامس: النَّقل المدرسي والنَّقل الحديثي:

الكوفة ظفر بعناية فائقة في كل طبقة من الطَّبقات حتى وصل إلينا، بلا شكّ في رجل من السَّند، أو وهم راوٍ، أو تدليس شيخ، أو اضطراب لفظ وسند، أو انقطاع، أو نقل حديث بالمعنى، أو غيرها مما يقع في الحديث النَّبوي الشَّريف؛ لأنَّه نُقل من طريق الفقهاء الكبار الضَّابطين في كل طبقة، البالغ عددهم حدّ التواتر، بخلاف ما يكون مروياً بطرق بعض الرواة، وبطرق آحاد.
بسبب ذلك وجدنا الإمام مالك لا يعير بالاً لحديث مخالف لعمل أهل المدينة، ليس لأنَّ فعل أهل المدينة مقدّم على كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا عاقل يقول بذلك، بل لأنَّه - رضي الله عنه - يسعى إلى التَّثبت فيما نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالكل راجع له - صلى الله عليه وسلم -، ومسترشد بقوله، فما نقل بطرق متواترة من فعل وقول النّبي - صلى الله عليه وسلم - من الصَّحابة - رضي الله عنهم - المقيمين بالمدينة، ومِنَ التَّابعين ومَنْ بعدهم جزماً أقوى مما نقل بطرق آحاد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيمكن أن الرَّاوي نسي أو أخطأ أو غيَّر معنى أو غير ذلك مما يطول ذكره.
وهذا الأمر بتمامه حاصل في الكوفة، فهي حاضرة الإسلام بعد المدينة المنورة، وفيها حلَّ كبار الصَّحابة - رضي الله عنهم - وفقَّهوا أهلها، وحمل عنهم التابعون ومَنْ بعدهم وعلى رأسهم الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فكل ما يخالف العمل المتوارث المنقول من فعل وقول النَّبي - صلى الله عليه وسلم - بالطُّرق المتظافرة نجد الإمام أبا حنيفة لا يتركه لحديث حفظ راويه أو نسي، كما كان يفعل أئمة مدرسة الكوفة من قبله، فها هو الإمام إبراهيم النَّخَعيّ - رضي الله عنه - يحتجّ بذلك العمل المتوارث من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين نزلوا في الكوفة في مسألة، فيقول: «هبط الكوفة ثلاثمئة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر، لا نعلم أحداً منهم قَصَر، ولا صلَّى الركعتين اللتين قبل المغرب» (¬1).
¬__________
(¬1) ينظر: طبقات ابن سعد 6: 9.
المجلد
العرض
12%
تسللي / 640