زبدة الكلام على كفاية الغلام - صلاح أبو الحاج
المبحثُ السَّابع: مدرسة الفقهاء الحديثية:
2.مخالفةُ الصَّحابة - رضي الله عنهم - للحديث:
إن مخالفة بعض الصَّحابة - رضي الله عنهم - العملَ بالحديث إذا كان ظاهراً لا يحتمل الخفاءَ عليهم يُورث الطَّعن فيه؛ لذلك قالوا: عمل صحابيّ آخر بخلافه يُسقطه عن درجة الاعتبار، بخلاف عمل الصَّحابي نفسه بخلاف مرويه، فإنَّه يجعله غير معتبر أصلاً، ومن أمثلته، كما في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «البكرُ بالبكرِ جلدُ مئة، ونفي سنة» (¬1)، فظاهر الحديث يفيد أنَّ النَّفي من الحدّ، وقد عمل عمر - رضي الله عنه - بخلافه وترك الحديث فيما روى سعيد بن المُسَيِّب - رضي الله عنه - قال: «غرَّب عمر - رضي الله عنه - ربيعة بن أمية في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصَّر، فقال عمر - رضي الله عنه -: لا أُغرب بعده مسلماً» (¬2)، فلو كان النَّفي حَدّاً لَمّا حلف على تركه، فعُلِم أنَّ النَّفي منه كان سياسةً لا حَدّاً، وحديث الحدود كان ظاهراً لا يحتمل الخفاء على الخلفاء الذين نصّبوا لإقامة الحدود، وعن عليّ - رضي الله عنه -: «حسبهما من الفتنة أن ينفيا» (¬3).
3.مخالفة الآحاد للحادثة المشهورة «ما يعم به البلوى»:
إنَّ معنى اصطلاح الحادثة المشتهرة أو ما يعمّ به البلوى: هو ما تمسُّ الحاجةُ إليه في عمومِ الأحوال (¬4)، أو يَحتاج إليه الكلُّ حاجةً متأكدةً مع كثرةِ تكرُّرِه (¬5).
¬__________
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1316، وسنن أبي داود 2: 459، وسنن ابن ماجه 2: 852، وغيرها.
(¬2) في المجتبى 8: 319، وسنن النَّسائي الكبرى 3: 231، ومصنف عبد الرَّزاق 7: 314.
(¬3) في مصنف عبد الرَّزاق 7: 312، 315، وروى محمد بن الحسن أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النَّخعي، قال: كفى بالنَّفي فتنة. انتهى. ينظر: نصب الرَّاية 3: 340، والتَّعليق الممجد 3: 65.
(¬4) ينظر: كشف الأسرار 3: 17.
(¬5) ينظر: التَّقرير والتَّحبير 2: 296.
إن مخالفة بعض الصَّحابة - رضي الله عنهم - العملَ بالحديث إذا كان ظاهراً لا يحتمل الخفاءَ عليهم يُورث الطَّعن فيه؛ لذلك قالوا: عمل صحابيّ آخر بخلافه يُسقطه عن درجة الاعتبار، بخلاف عمل الصَّحابي نفسه بخلاف مرويه، فإنَّه يجعله غير معتبر أصلاً، ومن أمثلته، كما في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «البكرُ بالبكرِ جلدُ مئة، ونفي سنة» (¬1)، فظاهر الحديث يفيد أنَّ النَّفي من الحدّ، وقد عمل عمر - رضي الله عنه - بخلافه وترك الحديث فيما روى سعيد بن المُسَيِّب - رضي الله عنه - قال: «غرَّب عمر - رضي الله عنه - ربيعة بن أمية في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصَّر، فقال عمر - رضي الله عنه -: لا أُغرب بعده مسلماً» (¬2)، فلو كان النَّفي حَدّاً لَمّا حلف على تركه، فعُلِم أنَّ النَّفي منه كان سياسةً لا حَدّاً، وحديث الحدود كان ظاهراً لا يحتمل الخفاء على الخلفاء الذين نصّبوا لإقامة الحدود، وعن عليّ - رضي الله عنه -: «حسبهما من الفتنة أن ينفيا» (¬3).
3.مخالفة الآحاد للحادثة المشهورة «ما يعم به البلوى»:
إنَّ معنى اصطلاح الحادثة المشتهرة أو ما يعمّ به البلوى: هو ما تمسُّ الحاجةُ إليه في عمومِ الأحوال (¬4)، أو يَحتاج إليه الكلُّ حاجةً متأكدةً مع كثرةِ تكرُّرِه (¬5).
¬__________
(¬1) في صحيح مسلم 3: 1316، وسنن أبي داود 2: 459، وسنن ابن ماجه 2: 852، وغيرها.
(¬2) في المجتبى 8: 319، وسنن النَّسائي الكبرى 3: 231، ومصنف عبد الرَّزاق 7: 314.
(¬3) في مصنف عبد الرَّزاق 7: 312، 315، وروى محمد بن الحسن أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النَّخعي، قال: كفى بالنَّفي فتنة. انتهى. ينظر: نصب الرَّاية 3: 340، والتَّعليق الممجد 3: 65.
(¬4) ينظر: كشف الأسرار 3: 17.
(¬5) ينظر: التَّقرير والتَّحبير 2: 296.