أيقونة إسلامية

زبدة الكلام على كفاية الغلام

صلاح أبو الحاج
زبدة الكلام على كفاية الغلام - صلاح أبو الحاج

المبحثُ التَّاسع: الفرق بين التَّعصب والتَّمذهب:

قال ابن العربي (¬1): «والحكمة في ذلك أنَّ الاختلاف والتَّفرق المنهي عنه إنَّما هو المؤدي إلى الفتنة والتعصب وتشتيت الجماعة; فأما الاختلاف في الفروع فهو من محاسن الشَّريعة ... » (¬2).
وإنَّ السيرَ على هذه المذاهب الفقهية رغم اختلافها لا منقصة فيه، وإنَّما المنقصة على من يترك طريقها ويذمّها، ويطعن في أئمتها، ويسعى أن يقيمَ مذهباً جديداً على هواه، ويحمل النَّاس عليه، وإلا فهم متعصّبون مبتدعون ضالون.
سادساً: إنَّ تصويرَ العلاقة بين أصحاب هذه المذاهب بأنَّها قائمة على تعصّب كلٍّ منهم لما ذهب إليه، وتحامله على غيره، غير صحيح البتة، بل إنَّ جماهيرَ علماء وعامّة هذه المذاهب يُكنون لبعضهم البعض كلّ احترام وتقدير وتوقير، كما تشهد به كتبهم وحياتهم وتراجمهم.
ولم يقف الأمر عند هذا فحسب، بل إننا نجد أنَّ كبار علماء المذاهب كانوا يؤلِّفون كتباً في إنصاف أئمة المذاهب الأخرى، وإنزالهم المنزلة الرَّفيعة التي يستحقونها، وردّ كلام بعض أتباع هذه المذاهب ممَّن لا يميّزون الشِّمال من اليمين والغث من السَّمين.
فها هو ابن حجر الهيتمي الشَّافعي يؤلِّفُ: «الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النُّعمان»، والسّيوطي الشَّافعي يؤلف: «تبييض الصَّحيفة في مناقب أبي حنيفة»، وابن عبد الهادي الحنبلي يؤلِّف: «تنوير الصَّحيفة في مناقب أبي حنيفة»، وابنُ عبد البر المالكي يؤلِّف: «الانتقاء في فضل الأئمة الثلاثة الفقهاء»،
¬__________
(¬1) في أحكام القرآن 1: 382.
(¬2) في صحيح البخاري 6: 2676.
المجلد
العرض
20%
تسللي / 640