أيقونة إسلامية

زبدة الكلام على كفاية الغلام

صلاح أبو الحاج
زبدة الكلام على كفاية الغلام - صلاح أبو الحاج

المبحثُ الخامس: النَّقل المدرسي والنَّقل الحديثي:

من غيرها؛ لأنَّ العلماءَ يتواجدون عادةً في العواصم، وسيأتي معنا عند الكلام عن المدارسِ الفقهيّةِ أنَّ أكابر المُحدّثين مِنَ التّابعين كانوا في العراق، ورحلوا إلى الحجاز والشّام وغيرها في طلبِ الحديث مِنَ الصَّحابة - رضي الله عنهم -.
فإنَّ التَّابعين من محدّثي الكوفة وفقهائها لم يكونوا يتلقون الحديث عن الصَّحابة - رضي الله عنهم - الموجودين في الكوفة فحسب، بل تلقوا الحديث مِنَ الصَّحابة - رضي الله عنهم - في الحجاز، ورحلوا طلباً لذلك، فقد روى ابنُ سعد في «طبقاته» أسماء مئتين واثنين من التَّابعين الكوفيين، الذين رووا عن كبار الصَّحابة - رضي الله عنهم - في مكة والمدينة (¬1).
وكانت الرِّواية والعناية بالحديث في العراق على درجةٍ عاليةٍ جداً، قال الرامهرمزي (¬2) (ت360هـ): عن ابن سيرين (ت118هـ)، قال: «أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث، وأربعمئة قد فقهوا». قال الكوثري (¬3): «وفي أي مصر من أمصار المسلمين غير الكوفة تجد مثل هذا العدد العظيم للمحدثين والفقهاء، وفي هذا ما يدل على أنَّ الفقيه مهمته شاقة جداً، فلا يكثر عدده كثرة عدد النقلة».
الثَّالث: اشتهر إطلاق أهل الرَّأي على الحنفية بعد فتنة خلق القرآن.
لما كان الرأي معناه الاجتهاد في الفقه عند الصَّحابة والتَّابعين، وكان مذهب الحنفية أكثر المذاهب انتشاراً وفقهاً، أطلق عليهم أهل الرَّأي: أي الفقه.
وتخصيص الحنفية بهذا الاسم لا يصح إلا بمعنى البراعة البالغة في الاستنباط، فالفقه حيثما كان يصحبه الرَّأي، سواء كان في المدينة أو في العراق،
¬__________
(¬1) ينظر: الحركة الفقهية في بلاد الشام ص284 عن الطبقات الكبرى 6: 78.
(¬2) في المحدث الفاصل 1: 560، 408.
(¬3) في مقدمة نصب الراية ص310.
المجلد
العرض
9%
تسللي / 640